مصر: تضييق على الإعلام أم ضبط للفوضى فيه؟

أخبار العالم العربي

مصر: تضييق على الإعلام أم ضبط للفوضى فيه؟
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/iddi

كما توقعت RT قبل نحو أسبوعين، كان الإعلامي إبراهيم عيسى أول من يتعرض للحساب بعد صدور قانون الإعلام الجديد في مصر.

والمساءلة هنا لم تكن قانونية، بل كانت سياسية وبرلمانية، دفعت عيسى في نهاية المطاف إلى مغادرة القناة التي يعمل فيها، ووقف برنامجه.

ولم يكن عيسى أول إعلامي يتوقف برنامجه، بل سبقته عمليات توقف، أو انتقال من محطة فضائية إلى أخرى من جراء تحولات كبيرة يشهدها الإعلام المصري، وفي مقدمتها وضع معايير إعلامية جديدة لضبط إيقاع الفوضى الإعلامية، التي تفشت بشكل غير مسبوق في مصر، وكذلك لتغير نظام الملكية في القنوات الفضائية المصرية الخاصة، والذي سار على نهج اندماج عدد من القنوات وبروز قنوات جديدة، يستحوذ عليها بعض المقربين من الدولة، وكذلك السير في منظومة خلق كيانات إعلامية كبرى، وصفها بعضٌ بمحاولة الاستحواذ على الإعلام المصري، ليس في مجال الإعلام الإخباري فحسب، بل و على قنوات الدراما والمنوعات والرياضة، وغيرها من القنوات.

إن الأزمة الأخيرة، التي كانت وراء إعلان الإعلامي إبراهيم عيسى عن توقف برنامجه على قناة "القاهرة والناس"، نشبت إثر حملة شرسة، شنها نواب في البرلمان المصري ورئيس البرلمان نفسه علي عبدالعال، اتهمت عيسى بنشر أخبار كاذبة وترويج مزاعم غير صحيحة، تستهدف البرلمان بشكل يشكك في شرعيته ودوره. ورصد أعضاء البرلمان واقعتين أساسيتين، رأوا أنهما كفيلتان بمحاسبته، واتخاذ اجراءات عاجلة ضده.

وطلب رئيس البرلمان من الهيئة العامة للاستثمار المسئولة عن منح التصاريح للقنوات الفضائية، وكذلك من الحكومة وممثلها في البرلمان وزير الشؤون القانونية ومجلس النواب مجدي العجاتي بمواجهة ما وصفه بـ "الخلل الصارخ في الخروج عن مقتضيات ميثاق الشرف الإعلامي".

الواقعة الأولى تمثلت في تأكيد عيسى في برنامجه أن البرلمان بصدد تعديل الدستور بما يمكِّن رئيس الجمهورية من الاستمرار في منصبه لمدد أخرى خلافا لما نصت عليه مواد الدستور المصري الصادر في عام 2014، وهو ما عدَّه نواب البرلمان تشويها متعمدا، وقد تحدوا الإعلامي بتقديم دليل واحد على صحة ما ذهب إليه، وهو أمر عجز عيسى عن تقديم ما يثبت صحته.

الواقعة الثانية تمثلت فيما أعلنه الإعلامي قبيل أشهر لدى مناقشة مجلس النواب قانون بناء الكنائس، من أن القانون الجديد يمنع بشكل مطلق رفع الصلبان على الكنائس، وهو ما رأى فيه نواب البرلمان محاولة للتحريض ضد القانون، الذي حظي برضا الكنائس المصرية الثلاث، ومحاولة كذلك لإثارة الفتنة بين المسلمين والأقباط، ومعاداة مؤسسات الدولة والحكومة، التي تقف وراء إعداد هذا القانون.

هذه الوقائع، شكلت أسبابا جوهرية للتوتر، الذي خيم على الساحة الإعلامية في الآونة الأخيرة. وقد تعرض طارق نور، مالك قناة "القاهرة والناس"، لمأزق تجاري، حين رفضت السلطات الأمنية التصريح له بإقامة معرض "لومارشيه" قبل يوم من موعده المحدد في أحد المعارض شرقَ القاهرة بضاحية مدينة نصر، وهو تصرف فسرته أوساط إعلامية بأنه ضغوط تمارسها الدولة على صاحب القناة بسبب مواقف الإعلامي عيسى. فيما أرجعته مصادر حكومية إلى تأخر طارق نور في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين مكان المعرض والزائرين والمشاركين فيه.

لقد بدا واضحا، وفقا لأوساط إعلامية، أن صاحب القناة يدفع فاتورة مواقف عيسى الإعلامية، وهو ما أثار تباينا في المواقف بينهما، وخاصة أن طارق نور كان مسؤولا بشكل كبير عن الحملة الدعائية لانتخاب الرئيس عبدالفتاح السيسي في عام 2014، وهو ما دفعه لمحاولة التأثير في الإعلامي للتخفيف من هجماته على الدولة ورئيسها ومؤسساتها، وهو ما بدأ عيسى بالتجاوب معه بشكل ملحوظ، وتمثل هذا التجاوب في تحول كبير في لهجته خلال الآونة الأخيرة، وتخصيص حلقات برنامجه للحديث عن قضايا إعلانية وفنية واقتصادية من دون الخوض في غمار مواجهات سياسية، بات من الواضح أنها لن تحقق أهدافها.

وكان الأمل لدى صاحب القناة أن تطوي الجهات المعنية ملف الخلاف مع القناة ومقدم البرنامج المثير للجدل فيها. غير أن معلومات أفادت بوجود نية لدى عدد من أعضاء مجلس النواب للتقدم ببلاغ إلى النائب العام، للمطالبة بمحاسبة عيسى على ما يبث من "أكاذيب" على شاشة القناة، والطلب كذلك بوقف القناة، ومحاسبة مالكها، الأمر الذي أدى في النهاية الى مغادرة عيسى.

 وهنا، تم الاتفاق على صياغة هادئة للبيان، الذي أصدره عيسى، وأكد فيه انتهاء علاقته مع "القاهرة والناس"، ووقف البرنامج الذي يقدمه على شاشتها مساء كل يوم. وجاء في البيان أن "تأثير البرنامج ألقى عليه أعباء وتعرض معه لأنواء، وأحيط بضغوط. ففي الوقت الذي ساهم فيه في اتساع عقول، تسبب كذلك في ضيق صدور"... وإن "مجريات الوقائع وطبائع المقادير تقود لأن أترك مساحة التعبير التليفزيوني لمساحة أخرى، ووقت لعله يأتي".

وفي المقابل، أصدرت قناة "القاهرة والناس" بيانا توضيحيا، أكدت فيه أن الإعلامي إبراهيم عيسى تقدم باعتذار إلى إدارة القناة، معربا عن رغبته في عدم الاستمرار في تقديم برنامجه التليفزيوني على شاشتها، اعتبارا من مطلع 2017، مقدما للقناة أسباب قراره ودوافعه ومسوغاته، وتطلعه إلى التخفيف من بعض أعباء العمل، للتفرغ والتركيز على مشروعاته الكتابية والإبداعية في الفترة المقبلة.

 ولقد كان من الواضح أن الصيغ المتفق الإعلان عنها حول أسباب ترك عيسى برنامجه وتوقفه تستهدف تجنب الصدام مع الدولة ومؤسساتها، أو تحميل القناة مسؤولية ما حدث، حيث يتزامن هذا الإجراء مع تحولات كبرى في الإعلام المصري، سوف تبلغ مرحلة جديدة بالإعلان خلال الأيام المقبلة عن تشكيل المجلس الأعلى للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام، والتي ستوكل إليها إدارة المشهد الإعلامي في مصر.

محمود بكري