كوريا الشمالية على طريق يوغوسلافيا أم إيران؟

أخبار العالم

كوريا الشمالية على طريق يوغوسلافيا أم إيران؟زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون - أرشيف
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hdb8

جددت كوريا الشمالية تحدي الخصوم وإحراج الأصدقاء حينما أطلقت وبنجاح قمرا اصطناعيا استدعى اجتماعا لمجلس الأمن الدولي للبت بمعاقبتها وتعنيفها أو ضربها كما يشتهي البعض.

فبعد اختبار قنبلتها الهيدروجينية مؤخرا والتي ارتجت لها واشنطن وطوكيو وسيئول وبروكسل، وأثارت حفيظة وتذمر موسكو وبكين، ها هي من جديد تضرب عرض الحائط بجميع التهديدات والمناشدات، وتمضي قدما في الحصول على كل ما يجعلها قلعة تزنرها القنابل المدمرة وتغطيها الصواريخ البالستية.

عنجهية بيونغ يانغ حملت مندوبي الدول الخمس على إلغاء جميع المواعيد، وتأجيل بحث القضايا الدولية الملحة وأجلستهم إلى طاولة المباحثات، التي خلصت إلى رفض المندوب الروسي أي قرار دولي تحت طائلة التهديد العسكري لكوريا الشمالية أو أي خطوة قد تنذر بتدخل مسلح يدمرها ويأتي على معاش مواطنيها وحياتهم.

ورغم الجدل الذي ألهبته كوريا الشمالية حول خطوتها الاستفزازية الأخيرة، أفلحت في حشد بعض التأييد في العالم، وصار الكثير من الخبراء يشيرون إلى ضرورة المهادنة، والكف عن لهجة التهديد والوعيد والإصغاء إلى مطالبها، فحبر اتفاق إيران و"السداسية" حول برنامج طهران النووي لم يجف بعد. كما أصبحوا يتبنون موقفها مسوغين أنها لا تريد السير على درب يوغوسلافيا التي قطعت أوصالها عملية "إنسانية" للناتو وشردت شعبها وأدمته.

ألكسندر جيبين رئيس مركز البحوث الكورية في معهد الشرق الأقصى لدى أكاديمية العلوم الروسية، اعتبر في هذا الصدد أن بيونغ يانغ في اختباراتها وتمترسها، إنما تقوم بخطوات منطقية بالمطلق لحماية حدودها وتعزيز أمنها القومي، فيما لا يتوجب على روسيا الانخراط في الهجمة الدولية المسعورة على كوريا الشمالية بعد إطلاق صاروخها الأخير.

وأعاد إلى الأذهان، أنها كانت قد وقعت على اتفاقية الاستغلال السلمي للفضاء، وغيرها من الاتفاقات الدولية الناظمة، مشيرا إلى أن بيونغ يانغ ترى في هذه المواثيق أنها تتقدم على قرارات مجلس الأمن الدولي الصادرة بحقها أصلا بموجب معايير مزدوجة، ما يحملها على المطالبة بالتعامل معها بندية عملا بميثاق الأمم المتحدة.

كما شدد على ضرورة أن تلين موسكو نبرتها في مخاطبة بيونغ يانغ، وألا تغامر بعلاقات حسن الجوار مع كوريا الشمالية فهي لا تريد من وراء الصواريخ والأسلحة سوى تفادي ما حل بيوغوسلافيا والعراق وليبيا.

أصداء إطلاق بيونغ يانغ صاروخها الذي حمل قمرا اصطناعيا إلى المدار، اقتصرت على صدور التصريحات المنددة من كل حدب وصوب، ورد أعنفها من سيئول التي جددت الاستغاثة بواشنطن وناشدتها نشر منظومات مضادة للصواريخ على أراضيها، وأعادت تشغيل مكبرات الصوت الدعائية على الشريط الحدودي مع كوريا الشمالية التي لا تثمر إلا بإزعاج حرس الحدود الشماليين.

واللافت هذه المرة في تصريحات الجارة الجنوبية، أنها وعلى لسان رئيس جهاز استخباراتها اتهمت موسكو "بتقديم الدعم التقني لبيونغ التي لما استطاعت بلوغ قدر من التقدم التقني يجعلها تطلق الصواريخ إلى المدار وتحط هناك جهازا مشكوكا في أمره"، وهو ما نفته روسيا جملة وتفصيلا على لسان دميتري روغوزين نائب رئيس الوزراء المشرف على برامج الفضاء والتسلح الروسية.

ومنه، ففي تحليل موقف بيونغ يانغ، والمخاوف الدولية إزاء نشاطاتها العسكرية والعلمية، يتضح أن قلق العالم يكمن بالدرجة الأولى في خطر امتلاكها السلاح النووي، حيث أن التهديد لا يكمن في الصواريخ البالستية، أو الأقمار الاصطناعية بحد ذاتها، بقدر ما تخفيه في طياتها طبيعة الرؤوس التي قد تحملها هذه الصواريخ.

كوريا الشمالية، واستنادا إلى الصيغة التي يتعامل بها المجتمع الدولي معها تؤمن بأنه ليس أمامها سوى أن تتقوقع وتتمترس بعد ما رأت بأم العين كيف قصفت طائرات الأطلسي بلغراد بالقنابل المحرمة دوليا، وسوت بالأرض مباني بغداد وجسورها ومؤسساتها بقذائف دخل في تركيبها اليورانيوم وعناصر مشعة شوهت النبات والحيوان قبل الإنسان، ناهيك عما وصلت إليه ليبيا ومخاضها.

ولسان حال كوريا الشمالية كأنما يقول كذلك، إن الرمد أهون من العمى والجوع أرحم من الموت ذلا وقهرا، بغض النظر عما تؤكده دول العالم المتنفذة على ضرورة جعل شبه الجزيرة الكورية واحة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وحلبة للنهوض الاقتصادي والتنمية المستدامة في جنوب شرق آسيا بما ينعكس خيرا على العالم بأسره.

ففي القياس أيضا، يذهب الكثير من المراقبين إلى المقارنة بين برنامج إيران النووي وطموحات كوريا الشمالية، ويعيدون إلى الأذهان طهران التي استطاعت أخيرا بشق الأنفس وبدعم روسي محاط بهالة كبيرة من التحفظات إتمام برنامجها النووي.

كما، يشيرون إلى أن إيران لم تستطع طمأنة العالم وإزالة مخاوفه إلا بعد مفاوضات مضنية وشاقة معها استمرت لسنوات، ويتساءلون حول السبب الذي يمنع المجتمع الدولي عن انتهاج مسار مشابه والتوصل إلى تسوية مع بيونغ يانغ بما ينهي عزلتها ويزيل التوتر من شبه الجزيرة الكورية والعالم.

وبالوقوف على ما تقدم، وإذا كان امتلاك الصواريخ والأقمار الاصطناعية عصيا على الدول إلى هذا الحد، فهل من الرحمة بالشعوب أن تستباح أراضيها وسيادتها وثرواتها، وتحرم من التطور العلمي والتقني بذريعة وجود طغم حاكمة تسير بها ضد التيار؟

أم أنه من الأجدى لها بذل الغالي والنفيس وتسخير جميع طاقاتها بغض النظر عن تصنيف الدول الكبرى لأنظمتها، وتسوية شؤونها الداخلية بأيديها، بحيث تحافظ على سيادتها واستقلالها حتى ييأس الخصوم ويقلعوا عن أفكارهم الملحة ويذعنوا لحقها في التقدم والتطور والعيش الرغيد؟

صفوان أبو حلا

 

فيسبوك 12مليون