حكاية شعب

أخبار العالم العربي

حكاية شعبالسد العالي إبان التشييد
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/hcyx

أحيت مصر مؤخرا الذكرى الـ45 لإنجاز مشروع السد "العالي" الذي أقر العالم بأنه الصرح الهندسي الأعظم في القرن الـ20، إذ أكدت فيه أنها هبة النيل حقا وأنه لا يعصى على مصر المستحيل.

أدهش الشعب المصري العالم قبل أربعة عقود خلت، بقدرته على اجتياز الصعاب وتحدي أعتى المواجهات والانتصار فيها، حيث استطاع بسواعد عشرات الآلاف من أبنائه وفنييه ومهندسيه، وبدعم مطلق من الاتحاد السوفيتي، تحقيق المعجزة، وتذليل جميع المؤامرات والعقبات التي وضعتها عواصم الإمبريالية العالمية وبنكها الدولي على طريق التنمية المصرية.

فبعد أن رفضت الولايات المتحدة وبريطانيا تمويل المشروع، وعقب مفاوضات مضنية ووعود واهية بالتنفيذ وبشروط مالية تعجيزية تثقل كاهل المصريين الذين أرادوا السد أصلا للتخفيف من مشقات العيش والنهوض ببلادهم إلى المصاف التي تستحقها، قررت مصر بقيادة رئيسها "الخالد" جمال عبد الناصر طلب العون من موسكو.

عاصمة الاتحاد السوفيتي لبت النداء، وهبت لمؤازرة الشعب المصري ومنحته قرضا أغاث الملهوف بقيمة مليار دولار وبفائدة لا تذكر، بل شطبت ثلثه في وقت لاحق، هبة للمصريين وتعبيرا لهم عن صداقة وفية، فكيف لا، وموسكو قد تبنت في تلك الحقبة حركات التحرر الوطني ونصرة الشعوب مذهبا في نهج أقرته بنصر مؤزر على جيوش النازية والفاشية في أوروبا.

فأرسلت موسكو إلى مصر مئات المهندسين والفنيين والخبراء في إنشاءات السدود، وبعثت الآليات الثقيلة والحفارات الضخمة والمعدات، وتابعت عن كثب إنجاز المشروع الذي اكتمل في موعده لتطويع النيل خلافا لما أنذر به الخصوم، وتحقيقا لحلم راود المصريين منذ أن شيدوا أهراماتهم التي لا تزال شاهدا لهم وللعالم على عظمة الإنسان المصري وثبات إرادته في تحقيق المستحيل.

أطلق المصريون على منجزهم العظيم اسم السد "العالي"، فهو عال بحق وأعلى شأن مصر وحماها من الفيضان وزودها بالتيار الكهربائي اللازم لإطلاق عجلة التنمية والإنتاج، والتأسيس لحياة أفضل، وما انفك ينير مصر ويسقي أهلها وزرعها وضرعها.

النجاحات المصرية لم تقتصر على السد "العالي"، فبعد عامين على الإنجاز المهيب، أحرز الشعب المصري انتصارا ثانيا، تجسد في عبور القناة واجتياز "خط بارليف" وتحطيم أسطورة "التفوق" الإسرائيلي، وأيضا بدعم مطلق من موسكو، يتعذر تجاهله.

ولكن رياح التغيير السياسي عصفت بمصر، حيث أدارت قيادتها في مرحلة لاحقة ظهرها للأصدقاء، وحادت بالمصريين عن طريق التعاون مع حلفاء موثوقين عبروا بالفعل لا بالقول عن تضامنهم مع الشعب المصري وساندوه في تحقيق المحال.

قيادة الاتحاد السوفيتي من جهتها، وفي مرحلة تلت، قررت هي الأخرى انتهاج مسار جديد في الجيوسياسة والتنمية والاقتصاد، وآثرت مصافحة الغرب والتصديق بنواياه "الحسنة" تجاه موسكو والأمة الروسية، ليكتمل بذلك بعاد وفراق بين صديقين حميمين طالما وقفا جنبا إلى جنب وتعاضدا في مواجهة القوى الطامعة وردعها.

وانطلاقا من الواقع الجديد وانشغال البلدين بمشاكلهما الداخلية وفتور العلاقات قياسا بذي قبل، انحسر التواصل بينهما في إطار المصالح والأهداف المستجدة، إلا أنه وبعد ثورة الشعب المصري المعاصرة الثانية، والتي أعقبت عودة جديدة لروسيا إلى الساحة، التقى الصديقان من جديد، وراحا يؤسسان لمشاريع عملاقة مشتركة تأخذ بيد المصريين ثانية.

فتزامنا مع احتفال القاهرة وموسكو بذكرى تدشين السد "العالي"، أسستا لمشروع إنمائي جديد يهب مصر طاقة تنهض باقتصادها، ويرقى بها إلى مستوى حضاري أجد، يفوق ما أحرزه البلدان من نصر ثنائي على الطبيعة في أسوان، كما يعيد إلى الذاكرة انكسار شوكة المعتدين وكف عدوانهم الثلاثي عن المصريين، مذلولين بتهديد من موسكو.

هذه المرة، أطلقت جمهورية مصر العربية مشروع الطاقة الكهرذرية، وتحلية مياه البحر بما يلبي متطلبات الحاضر والمستقبل ويحدث ثورة صناعية تبشر بأن تكون الأولى من نوعها في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

وكما كان قبل أكثر من أربعة عقود مضت، ستطلق المحروسة مشروعها التاريخي الثاني بدعم مطلق من موسكو، وبقرض روسي قيمته 26 مليار دولار لإنشاء المحطة الكهرذرية بخبرات وتقنيات شركة "روس آتوم" الحكومية الروسية للطاقة الذرية.

فمن المنتظر وعملا باتفاقات حكومية وقعها البلدان مؤخرا، تشييد محطة كهرذرية بأربعة مفاعلات وباستطاعة 1200 ميغا واط لكل منها، لتتمكن مصر بذلك من تغطية العجز في التيار الكهربائي، والحصول على مورد إضافي للماء من البحر بعد تحليته، لا سيما وأنها تخطط لمشاريع صناعية وإنتاجية واعدة سوف يكون لروسيا حضور كبير فيها.

وآخر جوانب التعاون بين البلدين، الاتفاق على اعتماد الروبل الروسي والجنيه المصري في المبادلات التجارية، الأمر الذي سيسهم في تيسير النشاط الاقتصادي الثنائي، والحد من أعباء تحويل العملة وتفادي تقلبات أسعار الصرف، فضلا عن تشجيع التجارة والسياحة بين البلدين بعملتيهما الوطنية وما لذلك من ميزات اقتصادية إيجابية.

فمصر بحاجة للسياح الروس واستمرار تدفقهم على منتجعاتها، وللكثير من المصنوعات والخامات، ناهيك عن القمح الروسي الذي يغطي ثلث الطلب المصري السنوي، فيما روسيا بطبيعتها الشمالية بحاجة متزايدة للخضروات والفواكه وغير ذلك من المنتجات المصرية.

وعليه، فقيادتا البلدين تصافحتا من جديد، وتعانقتا بحرارة على أرضية النفع المشترك والألفة الثقافية وأواصر العلاقات المتجذرة بين موسكو والقاهرة. الروس والمصريون يتطلعون إلى حقبة متجددة من العمل المشترك في صالح التنمية والتطور وترسيخ حضور البلدين في العالم، وإسهامهما في الحفاظ على الشرعية الدولية وحماية مبدأ سيادة الدول وحرية شعوبها، بمعزل عن الإملاءات الخارجية وبما فيه خير للشعبين وللإنسانية جمعاء.

صفوان أبو حلا