بوتين فاتحا لأوروبا وساركوزي "عيسى العوام"

أخبار روسيا

بوتين فاتحا لأوروبا وساركوزي
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/h4de

استقبل الرئيس فلاديمير بوتين الرئيس الفرنسي السابق نيقولا ساركوزي، وعبر في مستهل اللقاء عن سعادته بقدومه بعد انقطاع استمر لعام كامل.

وقال بوتين بعد الترحيب: "إني سعيد جدا برؤيتك. مر عام كامل على آخر لقاء جمعنا. شهد هذا العام الكثير من الأحداث في أوروبا والعالم، وفي العلاقات الروسية الفرنسية كذلك. إني سعيد جدا برؤيتك، وبفرصة بحث جملة من القضايا معك".

وعبر الرئيس الروسي عن تهانيه لساركوزي بدرجة الدكتوراه الفخرية التي منحه إياها معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، وسأله مازحا ما هو الأفضل، أن يناديه سيادة الدكتور، أم سيادة الرئيس؟ وأشاد بوتين بالكلمة التي ألقاها ساركوزي خلال مراسم الدكتوراه، وأكد أنه كان لها وقعها، ولم يقتصر صداها على بلوغ مسامع الحضور، بل وصل إلى أوساط أبعد منها.

استنادا إلى حفاوة الترحيب، وحرارة الاستقبال، يرى مراقبون في زيارة ساركوزي إلى موسكو واستضافته على أرفع مستوى في الكرملين، "حدثا بعيد الأهداف، وإشارة تبعث بها موسكو إلى الإدارة الفرنسية الحالية، والاتحاد الأوروبي، لتؤكد عبرها قدرة روسيا على اختراق الصف السياسي في فرنسا وسواها، مستغلة بذلك ما يعرف عن ساركوزي من تحيز لروسيا ودورها في التاريخ والحاضر. موسكو ستسخر ولاءه هذا لتخترق الصف الأوروبي كما استغل صلاح الدين الأيوبي بسالة عيسى العوام الذي كان يتسلل إلى حصن عكا حاملا معه الرسائل والدنانير إلى المحاصرين إبان الغزو الصليبي للمشرق. ساركوزي يتزعم أكبر حزب معارض في بلاده، وحظوظه في الفوز بالانتخابات الرئاسية المقبلة تتعاظم يوما إثر آخر، بينما ترجح استطلاعات الرأي فوزه المحقق بالرئاسة الفرنسية سنة 2017".

الأحداث الأخيرة في أوروبا والعالم أظهرت استحالة استمرار ركب الجيوساسة الدولي في المسير، بمعزل عن روسيا، وبقيادة ربان واحد قد يصل بالجميع إلى بر فوضى، رغم أنها "خلاقة" حسب من ابتدعها.

ساركوزي وحزب "الجمهوريون" المعارض الذي يتزعمه، أدرك شأنه شأن قوى وتيارات سياسية واقتصادية فاعلة في العالم، أن نهج المواجهة والصدامات مع روسيا في أوروبا وغيرها من بقاع العالم الحساسة لن يعود بالخير على أوراسيا والعالم القديم، ولا يصب إلا في صالح تعزيز هيمنة القطب الواحد، والراعي الأوحد لرعية اختلفت في مشاربها.

فرنسا التي أخرجتها إدارة هولاند في زمن قياسي من نادي الدول المؤثرة، وألحقتها بقائمة البلدان التابعة، حسب الكثير من العارفين في أوروبا وخارجها، تعي حقيقة أن محاولات "عزل" بلد كروسيا تنقلب عزلة تحتضن من يحاول فرضها بما تحمله في طياتها من تبعات سياسية واقتصادية.

العلاقات بين موسكو وباريس ضاربة بجذورها في القدم، وتبدلت منذ حملة نابليون على موسكو وانتهائها بانتصار ساحق لفرسان الخيالة الروس الذين صدوا عن حياض بلادهم غزو جيوش الممالك الأوروبية التي حشدها نابليون، واستمروا في ملاحقة فلولها حتى بلغوا باريس، ليتمخض عن ذلك صياغة جديدة لجغرافيا أوروبا السياسية، وتعزيز أزلي لموقع روسيا في أوروبا والعالم.

هذا الموقع، عادت موسكو ورسخته من جديد بالنصر الساحق والتاريخي على جيوش الفاشية والنازية الأوروبية سنة 1945، وكانت فرنسا بين الدول التي حررها الجيش الأحمر، والنصب التذكارية لجنوده وجنرالاته في باريس وبرلين وغيرها من العواصم الأوروبية تشهد على دور روسيا الذي لا يمكن تجاهله أو تقزيمه مهما كان الثمن، وأيا كانت الغنائم.

ساركوزي في زيارته هذه إلى موسكو يرسم لوحة توضيحية، تعبر عن وقائع التاريخ الحديث والمعاصر، ويهدف خلافا لهولاند وسواه، إلى الإفادة من دور روسيا، واستغلاله أحسن استغلال بما يخدم عودة الوفاق إلى البيت الأوروبي، ومنه إلى عموم أوراسيا عبر بوابة موسكو العالية.

ساركوزي قالها علانية وبصراحة، إن الولايات المتحدة "تتمنى تدهور العلاقات"، وبث الفرقة بين أوروبا وروسيا.

فلدى لقائه الزعيم الروسي في الكرملين، شدد على ضرورة تخطي مرحلة المواجهات في العلاقات الروسية الفرنسية وتجاوزها، وأشار إلى أن البلدين عبر الحوار، استطاعا على الدوام حل كافة الخلافات، وتسوية التناقضات، وتبني الحلول الوسط، كما أعاد إلى أذهان العالم أنه لا يغنى عن موسكو، وأن العمل الثنائي هو قدر روسيا وأوروبا المشترك.

وأكد ساركوزي على استحالة عزل روسيا، وضرورة إعادة النظر بنظام "شنغن" المعتمد في الاتحاد الأوروبي، وكان يتكلم باسم فرنسا وباريس حصرا، ولم يتلفظ بعبارات دارجة تحكي باسم بروكسل أو الاتحاد الأوروبي عامة، وهو ما ركز عليه المراقبون في تحليل حديثه.

وشدد ساركوزي كذلك على ضرورة الحوار، ومخاطبة الرئيس السوري بشار الأسد كأساس وسبيل وحيد للتسوية في سوريا، ليعرب بذلك، عن تبنيه الكامل للموقف الروسي إزاء الأزمة السورية وسواها في الشرق الاوسط وأوروبا وشرق أوكرانيا وما تمخض عن انضمام القرم إلى روسيا.

بينما يرى مراقبون في زيارة ساركوزي إلى موسكو أنها تندرج في صلب برنامجه الانتخابي، يرجحون كذلك أنه ينشد من ورائها الاستحصال على تأييد روسيا ودعمها، ونيل قسط من الشهرة العالمية التي أصبح يتمتع بها شخص الزعيم الروسي بوتين الذي صار اسمه على كل لسان في الدنيا، وأصبح يتصدر مختلف تصنيفات الشهرة المحلية والأوروبية والدولية بما فيها الأمريكية.

وبالوقوف على الزيارة ومستواها ورمزيتها، يتضح أن إنجازات موسكو لن تقتصر على تعزيز موقعها في العالم، والدفاع عن مصالحها بدءا من آسيا الوسطى وما وراء القوقاز والقرم، وصولا إلى شرق أوكرانيا وحوض المتوسط والشرق الأوسط. موسكو في ضوء إنجازاتها هذه، واستضافة ساركوزي، تمهد لاختراق الصف الأوروبي وإعلاء قوى سياسية فاعلة تستند في بلدانها إلى أرضية شعبية صلبة، بعد أن سئمت الشعوب من قرارات تتخذها حكوماتها تلبية للرغبات والغرائز الأمريكية غير آبهة بالتداعيات.

ومما تقدم، فإن موسكو ستقف على ما يبدو إلى جانب ساركوزي، وستأخذ بيده إلى غمار انتخابات رئاسية رابحة تعيد القرار الفرنسي، وبعده الأوروبي إلى أصحابه، وتأتي بإدارة وطنية تأتمر بشعوبها وتضع في حساباتها التاريخ والاقتصاد والجغرافيا، بما يخدم صياغة فضاء اقتصادي وأمني موحد يمتد من لشبونة إلى فلاديفوستوك في الشرق الأقصى الروسي.

صفوان أبو حلا