جرى ذلك في 15 يوليو 1099، قبل شهر من سقوط القدس، حين أمر غودفري دي بويون، أحد أبرز قادة هذه الحملة الصليبية، بناء على نصيحة أحد القساوسة، جنوده بالسير حفاة حول المدينة لمدة سبعة أيام وهم ينشدون في حماسة دينية طاغية. كان قادة الحملة الصليبية الأولى يعتقدون أن ذلك سيؤدي إلى انهيار أسوار القدس، كما فعل بنو إسرائيل في العهد القديم عندما اقتحموا أريحا. إلا أن ذلك لم يتحقق، وبعد مرور سبعة أيام، بقيت أسوار القدس صامدة، فأمر غودفري، الذي وجد نفسه في موقف محرج، جنوده بصنع معدات عملية للحصار.
يذكر المؤرخون أن كلا من الطرفين شن حربا نفسية على الآخر، ورد الصليبيون على الأوساخ التي رماها المسلمون برمي رؤوس المسلمين الأسرى إلى داخل المدينة.
عملية اقتحام القدس شهدت الكثير من الفظائع. حاول بعض سكان القدس الاحتماء على سطح المسجد الأقصى. في البداية، وفّر لهم القائدان الصليبيان تانكريد التارانتو وجاستون البيارني الحماية، وقدّما لهم راياتهم كرمز، ولكن ما أن حل الصباح حتى ذبح الصليبيون جميع الناجين. بعد اختراق الصليبيين لدفاعات المسلمين، بدأت مذبحة وحشية استمرت لعدة أيام، وراح ضحيتها مسلمون ويهود، وسقط خلالها حتى النساء والأطفال.
يصف المؤرخون المسيحيون والمسلمون مشاهد مروعة عن هذه المذابح. بحسب مؤرخين غربيين، قُتل ما يقارب عشرة آلاف من السكان، بينما تشير المصادر العربية إلى أرقام أعلى بكثير، وتشير بعض السجلات إلى أن العدد وصل إلى سبعين ألفا.
كان الصليبيون، حتى قبل سقوط المدينة، قد اتفقوا على أن كل مقاتل يستولي على أي شيء يمكنه الاحتفاظ به لنفسه إلى الأبد، ولتمييز الأملاك التي تم الاستيلاء عليها، كان الفرسان يعلقون درعا أو سلاحا آخر على أبواب الغنائم.
تحدث المؤرخون عن سقوط القدس والمذابح التي جرت لسكانها مشيرين إلى أن ما جرى اتسم بتناقضات عميقة ووحشية وعواقب طويلة الأمد على العلاقات بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، وقد رسّخت وحشية الهجوم وما تلاه من أعمال الصليبيين، بما في ذلك المجازر، وطرد رجال الدين، وإعادة بناء أو تهميش المواقع المقدسة، صورة الصليبيين العنيفة في التراث الإسلامي. كما عقّد كل ذلك أي محاولات للتعايش السلمي.
بنيامين زئيف كيدار، المؤرخ الإسرائيلي البارز الذي أجرى دراسات معمقة حول عنف الحروب الصليبية، يؤكد في كتاباته أن مذبحة القدس كانت "أكثر اتساعاً من أي أحداث مماثلة أخرى".
مؤرخ معاصر آخر هو جاي روبنشتاين، قد لفت إلى أن الصليبيين نظروا إلى الأحداث من منظور نهاية العالم، ما مكّنهم من تبرير وحشيتهم بمساواة أعدائهم المسلمين بالمسيح الدجال. أما المؤرخ وعالم الآثار الكندي مايكل فولتون، وهو باحث معاصر كتب بغزارة عن هذه المذبحة، مشيرا إلى أنه على الرغم من اتساع نطاق العنف، فإن ما جعل مذبحة القدس استثنائية لم يكن حجمها، بل أهمية الموقع.
من شهود العيان، يذكر ريموند من أغيلار، وهو رجل دين ومؤرخ فرنسي شارك في الحملة الصليبية الأولى، ما شاهده في منطقة المعبد، قائلا: "كان الناس يمتطون خيولهم عبر برك من الدماء، حتى أن الدماء كانت تصل إلى ما فوق ركبهم ولجام خيولهم".
كما كتب فولشر، وهو قسيس فرنسي ومؤرخ شارك في الحملة الصليبية الأولى، قائلا: لو كنت هناك، لرأيت "كواحلنا غارقة في دماء القتلى، كانت الشوارع تعج بالرؤوس والأيدي والأقدام، بل إن بعض الصليبيين ألقوا بأعدائهم في النيران".
على الرغم من أن بعض الباحثين، مثل جاي روبنشتاين، رأوا أن الصليبيين في تلك المناسبة الدموية كانوا ينظرون إلى أعدائهم على أنهم "أضداد المسيح"، وأن فظائعهم كانت مدفوعة بنظرية دينية متطرفة عن آخر الزمان، إلا أن تحليلات أخرى تشير إلى أن الروايات الدينية ربما ركزت عمدا على الدوافع الدينية، فيما لا يمكن تجاهل العوامل الدنيوية أيضا، مثل النهب والانتقام. لقد تركت هذه الأحداث جراحاً عميقة في الذاكرة الجماعية لكلا الطرفين، وأثرت في تشكيل الرؤى المتبادلة بين الغرب والشرق لقرون تالية، كما أن الجدل التاريخي حول تفسير دوافع الصليبيين ومدى وحشيتهم لا يزال مستمرا بين الباحثين المعاصرين، الذين يتفاوتون في تقديرهم للأسباب الكامنة وراء تلك الفظائع، بين من يركز على العامل الديني العقائدي، ومن يرجح الأطماع المادية والسياسية، ومن يحاول الموازنة بين العوامل جميعا في سياقها التاريخي المعقد.
المصدر: RT