كان إنسان نياندرتال أقرب السلالات البشرية المنقرضة إلى البشر الحديثين، وقد سكن أجزاء من أوروبا وآسيا منذ أكثر من 800 ألف عام تقريباً، في حين تشير أقدم بقايا أحفورية معروفة له إلى أنه عاش في أوروبا منذ ما بين 500 ألف و600 ألف عام.
نجح فريق من الباحثين من جامعة ميونخ عام 1997 في مقارنة الحمض النووي للميتوكوندريا، وهو الموروث من الأم لدى الإنسان الحديث والنياندرتال. لاحقا، أعلن الباحث السويدي الشهير سفانتي بابو، الأستاذ في معهد لايبزيغ للأنثروبولوجيا التطورية، عام 2009 نجاحه في فك شفرة جينوم إنسان نياندرتال.
اكتشف العلماء المختصون أن إنسان نياندرتال يتمتع بقامة طويلة نسبيا وهيكل عظمي وعضلات قوية، كما يشير جين "MC1R" المسؤول عن لون جلد وشعر الإنسان إلى أنه كان ذا بشرة فاتحة وشعر أحمر في الغالب.
في أوروبا، سكن إنسان نياندرتال مناطق ألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان وشبه جزيرة القرم وسفوح جبال القوقاز. كما تم اكتشاف مواقع أثرية لإنسان الكهف في جبال ألتاي وآسيا الوسطى وفي الشرق الأوسط. من خلال تحليل الكروموسوم Y، حدد علماء الوراثة أن الجنس البشري انقسم إلى فرعين تطوريين قبل حوالي 588 ألف عام.
التقى النوعان عندما غادر أول إنسان كرو-ماغنون، وهو أقدم مجموعة للإنسان العاقل التي ننتمي إليها جميعا، وكان داكن البشرة، أفريقيا بحثا عن بيئات معيشية أفضل.
التقى أسلافنا، أثناء هجرتهم إلى الشرق الأوسط وأوروبا، بإنسان نياندرتال ذوي البشرة الفاتحة. لا توجد معلومات دقيقة حول طبيعة العلاقات بين هذين الشعبين المختلفين تماما، فبعض المختصين يفترضون أن تقاربهما، الذي استمر لآلاف السنين، كان حافلا بالمناوشات والمعارك الدامية، فيما يرى البعض الآخر العكس.
اكتشف الباحثون جينات نياندرتال لدى أشخاص من بلدان وقارات مختلفة، فقد وُجد هذا الإرث لدى الإيطاليين والإسبان والأمريكيين من أصول أوروبية والبريطانيين والأسكتلنديين والفنلنديين والصينيين واليابانيين، وحتى لدى سكان أستراليا وغينيا الجديدة الأصليين.
علاوة على ذلك، تشير بعض الدراسات إلى أن نسبة جينات نياندرتال أعلى قليلا بين الآسيويين منها بين الأوروبيين. وتشير دراسات أخرى إلى أن نسبة الحمض النووي لإنسان نياندرتال في جينوم سكان المناطق خارج أفريقيا تتراوح بين 1.5 بالمئة و2 بالمئة، إلا أن هذه النسبة أعلى بين سكان شرق آسيا، حيث تتراوح بين 2.3 بالمئة و2.6 بالمئة، بينما تنخفض بين سكان غرب آسيا وأوروبا، لتتراوح بين 1.8 بالمئة و2.4 بالمئة.
الجدير بالذكر أن بعض جينات نياندرتال توجد أحيانا في الحمض النووي لسكان القارة السمراء. فعلى سبيل المثال، اكتشفها العلماء لدى بعض أفراد قبيلة الماساي، إلا أن تحليلا أكثر تفصيلا كشف أن هؤلاء الأفارقة ورثوا هذه الجينات من الأوروبيين الذين وصلوا إلى أراضي القبيلة في القرنين السابع عشر والتاسع عشر وانخرطوا في علاقات مع النساء المحليات.
كان يُعتقد في السابق أن الأفارقة جنوب الصحراء يفتقرون تماما إلى الحمض النووي لإنسان نياندرتال، لكن العلماء اكتشفوا وجود آثار منه في دمائهم بنسبة 0.5 بالمئة في المتوسط.
أما بالنسبة لسكان شمال أفريقيا والشرق الأوسط بشكل عام، فتشير الدراسات العلمية الحالية إلى أن نسبة الحمض النووي لإنسان نياندرتال الموجودة لديهم تأتي ضمن النطاق نفسه لمعظم سكان المناطق خارج أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ورغم أن النسبة الدقيقة قد تختلف بين مجموعات وأفراد محددين، إلا أن النطاق العام واضح ومحدد.
تفيد الأبحاث بأن الحمض النووي المتوارث عن إنسان نياندرتال يشكل عادة ما بين 1 بالمئة و4 بالمئة من جينوم سكان المناطق خارج أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. كما تشير الدراسات التي أجريت على سكان أوراسيا إلى أن متوسط نسبة الحمض النووي لنياندرتال يبلغ حوالي 2 بالمئة، مع وجود بعض الاختلافات الإقليمية. فعلى سبيل المثال، قد تكون النسب أقل قليلا لدى بعض المجموعات العربية، إلا أنها تبقى ضمن النطاق الأوسع الذي يتراوح بين 1 بالمئة و4 بالمئة.
بذلك يتبين أن إرث إنسان نياندرتال ما زال حيا في جينات سكان المنطقة العربية، وإن بنسب متفاوتة تعكس تاريخا طويلا من الهجرات والاختلاط البشري عبر آلاف السنين.
المصدر: RT