مباشر

من 5 آلاف صفحة إلى 15 ألف جندي.. كيف اقترب بوندارتشوك من تولستوي؟

تابعوا RT على
يستعيد معرض "أقرب ما يكون إلى تولستوي" في فيبورغ بمناسبة مرور 60 عاما على فيلم "الحرب والسلام" الروسي تجربة بوندارتشوك في تحويل الرواية إلى ملحمة سينمائية.

ويستضيف مركز "فيبورغ- إرميتاج" للمعارض هذه التظاهرة التي نظمها متحف ليف تولستوي الحكومي بالتعاون مع استوديوهات "موسفيلم"، وافتتحها فلاديمير تولستوي، حفيد الكاتب. ويستمد المعرض عنوانه من مذكرات بوندارتشوك، الذي لخّص هدفه من العمل بالرغبة في "الاقتراب قدر الإمكان من تولستوي"، ونقل مشاعره وأفكاره وفلسفته.

ورغم أن المعرض يشغل قاعة واحدة، لكنه يضم مجموعة من الوثائق والقطع الأصلية التي توثق رحلة الرواية من مخطوطات تولستوي إلى الشاشة، ومنها مسودات من مخطوطة "الحرب والسلام"، والطبعة الأولى المنفصلة للرواية الصادرة عام 1868، ورسومات تخطيطية ولوحات قصصية أنجزها بوندارتشوك، إلى جانب مشاهد تتناول الغزو الفرنسي لموسكو.

بدأ تولستوي العمل على الرواية عام 1863، وأعاد كتابة بدايتها خمس مرات، ليصل مجموع ما كتبه بخط يده إلى نحو خمسة آلاف صفحة. أما بوندارتشوك وفريقه، فأمضوا قرابة ست سنوات في إعداد الفيلم وتصويره، بين عامي 1961 و1967.

وعُرض الجزءان الأول والثاني للمرة الأولى في مهرجان موسكو السينمائي الدولي عام 1965، قبل طرحهما في عام 1966، فيما عُرض الجزءان الثالث والرابع في عامي 1967 و1968.

وتكشف أرقام الإنتاج حجم المشروع الاستثنائي. فقد شارك نحو 15 ألف شخص في تصوير معركة بورودينو، واستخدم عشرة أطنان من البارود و40 طنا من الكيروسين، إضافة إلى 10 آلاف قطعة من لعبة الداما. وصُمم للفيلم نحو 12 ألف زي، بينها تسعة آلاف زي عسكري.

ويضم المعرض ملصق الفيلم الناطق بالفرنسية الصادر عام 1965، وتتوسطه صورة ليفدميلا سافيليفا، التي أدت دور ناتاشا روستوفا. ومن القطع النادرة سيناريو المخرج الذي كتبه بوندارتشوك وفاسيلي سولوفيوف، ويحمل إهداء من المخرج إلى متحف ليف تولستوي.

كما تُعرض وثائق تعود إلى مرحلة تولستوي، بينها إيصال شراء كتب من مكتبة اقتناها الكاتب خلال السنوات الأولى من عمله على الرواية، ورسالة إلى زوجته صوفيا أندرييفنا يصف فيها رحلته إلى بورودينو، معربا عن سعادته بها رغم قلة النوم والطعام.

ومن الوثائق اللافتة رسالة مؤرخة في 15 فبراير 1961 وموجهة إلى وزيرة الثقافة السوفيتية آنذاك إيكاترينا فورتسيفا، للمطالبة بإنتاج فيلم روسي مقتبس من "الحرب والسلام". وحملت الرسالة توقيعات الكاتب نيقولاي تيخونوف، ورئيس لجنة السلام السوفيتية، والفنان سيرغي غيراسيموف، والمارشال ميخائيل كاتوكوف، قائد القوات المدرعة، وآخرين. وبعدها صدر أمر ببدء العمل على الفيلم، مع السماح للاستوديو بإنفاق ما يصل إلى 30 ألف روبل على الأغراض المحددة.

وتكشف أزياء الشخصيات أيضا عن حجم التحضير للعمل. فقد عرضت "موسفيلم" أزياء ناتاشا روستوفا والأمير أندريه بولكونسكي وبيير بيزوخوف، الذي أدى بوندارتشوك دوره بنفسه. ومن بين ما ارتداه بيير معطف طويل وسروال قصير وسترة وقميص وأساور وربطة عنق.

وفي افتتاح المعرض، عُرض مشهدان من الفيلم: الحفل الأول لناتاشا روستوفا، ووصول الأمير أندريه إلى أوترادنوي، إلى جانب رسم تخطيطي للمشهد الأخير، في إشارة إلى الصلة المباشرة بين تصورات المخرج وما ظهر على الشاشة.

ويحتل رسامو "الحرب والسلام" مساحة خاصة في المعرض. فقد أنجز الفنان ميخائيل باشيلوف، خلال حياة تولستوي، رسوما لشخصيات الرواية، وعرضها على الكاتب وناقش معه تفسيراته لها. ويقارن المعرض بين رسومات باشيلوف ولقطات من فيلم بوندارتشوك، لتظهر دقة المخرج في الاقتراب من وضعيات الشخصيات وتفاصيلها.

وقال فلاديمير تولستوي إن المعرض يضم كذلك صورة شهيرة للكاتب أثناء عمله على الرواية، رسمها ليفنيد باسترناك، والد الشاعر بوريس باسترناك، إضافة إلى لوحة قصصية رسمها بوندارتشوك بنفسه. وأشار إلى أن المخرج ترك عشرات الآلاف من هذه اللوحات، لا يزال معظمها محفوظا لدى عائلته.

ولم يكن بوندارتشوك المرشح الوحيد لإخراج "الحرب والسلام"، إذ طُرح اسم المخرج إيفان بيريف أيضا، قبل أن يسحب ترشيحه. وبعد سنوات من التحضير، أصبح المشروع واحدا من أكثر الأفلام السوفيتية كلفة وتعقيدا، في وقت كانت فيه نسخة أمريكية من الرواية قد حققت نجاحا جماهيريا.

ويبدو أن مفتاح نجاح بوندارتشوك كان إصراره على الاقتراب من رؤية تولستوي بأكبر قدر ممكن. فقد انغمس المخرج في عالم الرواية، ولم يكتفِ بنقل أحداثها، بل سعى إلى تجسيد روحها وأفكارها، حتى إن التزامه بالتفاصيل أثار أحيانا استياء بعض العاملين معه.

ويرى فلاديمير تولستوي أن لكل جيل الحق في أن يقدم نسخته الخاصة من "الحرب والسلام"، لأن تولستوي كاتب عالمي يمكن لكل قارئ أن يجد فيه شيئا مختلفا.

ويستشهد في هذا السياق بحكاية عن ياسنايا بوليانا. فبعد تقسيم الممتلكات، أصبحت التركة من نصيب الابن الأصغر فانيا، وعندما قال له أحدهم: "فانيشكا، ياسنايا بوليانا الآن لك"، فأجابه:" ياسنايا بوليانا للجميع".

وربما تختصر هذه الجملة أيضا إرث الكاتب نفسه: تولستوي للجميع، ولكل شخص الحق في أن يجد فيه تفسيره الخاص.

أما المخرج سيرغي أورسولياك، رئيس مهرجان "نافذة على أوروبا" في فيبورغ، فلم يتمكن هذا العام من البقاء في المدينة سوى لحضور حفلي الافتتاح والختام، بسبب انشغاله بتصوير نسخته الجديدة من "الحرب والسلام". وبين مواقع التصوير، واصل العمل على مشروعه في كوستروما، حيث "أحرق موسكو" سينمائيا، قبل أن ينتقل إلى روستوف الكبرى.

المصدر: موسكوفسكي كومسوموليتس

 

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا