مباشر

تريتياكوف يجمع أشهر روائع بوريسوف-موساتوف في معرض استثنائي (صور)

تابعوا RT على
افتتح معرض تريتياكوف في موسكو معرضا واسعا بعنوان "فيكتور بوريسوف-موساتوف: تناغم الصورة"، يضم أكثر من 140 لوحة وعملا فنيا للفنان الروسي.

ويستضيف المعرض، المقام في مبنى تريتياكوف على رصيف كاداشيفسكايا، أعمالا تُغطي مختلف مراحل حياة الفنان، وتُبرز تطور أسلوبه الفني الذي جعله أحد أبرز رموز الفن الروسي مطلع القرن العشرين.

وتقول رئيسة قسم الرسومات في معرض تريتياكوف، إيرينا شومانوفا، إن بوريسوف-موساتوف "أحد الفنانين الذين مهّدوا لفن القرن العشرين"، موضحة أنه لم يعد ينظر إلى الشكل بوصفه عنصرا تصويريا فحسب، بل حوّله إلى حاملٍ للمعنى، حتى إن أعماله تبدو أقرب إلى النسيج، وتدفع المشاهد إلى الرغبة في لمسها.

ويستقبل المعرض زواره بلوحة "صورة ذاتية مع أختي"، وهي الصورة الذاتية الوحيدة التي رسمها الفنان. وتوضح أمينة المعرض أولغا غليبوفا أن اللوحة رُسمت في منزل العائلة بمدينة ساراتوف، وأن الفنان أعدّ لها بعناية كبيرة؛ إذ كان يخرج الطاولة إلى الحديقة، ويشتري الورود يوميا، ويرتّب الشخصيات كما لو كانت في صورة فوتوغرافية، مع إبراز العناصر في المقدمة وإضفاء ضبابية على الخلفية.

ويستعرض قسم "ساراتوف – باريس – ساراتوف" البدايات الفنية للفنان، بما في ذلك أعماله الغرافيكية. ومن بين المعروضات لوحة "النافذة"، وهي أقدم أعماله الباقية، والتي لا يظهر فيها بعدُ الأسلوب الزخرفي الذي اشتهر به لاحقا، إذ تتسم بدقة في رسم التفاصيل وواقعية في المعالجة. كما تعرض القاعة لوحة "أزهار مايو"، التي كانت أول أعماله التي اقتناها معرض تريتياكوف.

سافر الفنان إلى باريس لاستكمال دراسته الفنية، وهناك تأثر بالحركة الانطباعية. وبعد عودته إلى روسيا رسم عددا كبيرا من الاسكتشات، من بينها لوحة "في مقهى باريسي" و"عبادة المجوس" و"محاكمة باريس" والتي تُعرض للمرة الأولى.

ويظهر تأثير الانطباعيين الفرنسيين أيضا في لوحة "فتاة مع نبات الصبار"، التي اتخذ فيها شقيقته الصغرى إيلينا نموذجا، وهي التي ظهرت في عدد من أعماله الأخرى.

وتكشف مقتنيات المعرض جانبا آخر من شخصية الفنان؛ فقد كان اللون الأخضر المفضل لديه، وكان يعتبره رمزا للحيوية والتعلق بالحياة. كما عُرف بخفة ظله وروح الدعابة. وتروي غليبوفا أنه كان يجيب مازحا عندما يُسأل عن كثرة استخدامه للألوان الباردة: "إذا كنتم تشعرون بالبرد، فارتدوا أحذية من اللباد واشربوا الشاي الساخن، أما أنا فأشعر بالدفء وأنا أرسم".

ورغم إصابته في طفولته بتشوه في العمود الفقري نتيجة سقوطه من مقعد، وهو ما تسبب في إصابته بالحدب وقصر قامته، فإن بوريسوف-موساتوف لم ينظر إلى نفسه يوما بوصفه شخصا ذا إعاقة. وكان يصف نفسه بأنه صاحب روح ديونيسية، محب للحياة والجمال، وعاش حياة أسرية سعيدة مع زوجته الفنانة إيلينا ألكساندروفا، ورُزقا بابنة.

ولم يتردد الفنان في أداء الأعمال الشاقة بنفسه؛ فكان يجهّز لوحاته ويصنع إطاراتها وينقلها إلى المعارض. وتظهر زوجته، مرتدية فستانا أزرق، وشقيقته، مرتدية فستانا ورديا، في لوحته الشهيرة "البركة"، التي عُرضت لاحقا في معارض فردية بأوروبا قبل أن يقتنيها جامع الأعمال الفنية فلاديمير غيرشمان.

وتروي زوجته أن الفنان الفرنسي موريس دينيس، عندما زار منزلهم، اختار "البركة" من بين جميع أعماله، وهو ما يحمل دلالة خاصة، إذ كان بوريسوف-موساتوف في شبابه يُكنّ إعجابا كبيرا بأعمال دينيس، بحسب أمينة المتحف داريا مانوشاروفا.

وكان كثيرون يسألون الفنان عن السر وراء ظهور النساء في لوحاته بملامح شاردة وحزينة. وتذكر غليبوفا أن ملهمته ناديجدا ستانيوكوفيتش استغربت هي الأخرى تصويره لها بهذه الهيئة، رغم أنها كانت مرحة ونشيطة بطبعها، فأجابها مبتسما: "ربما أنتِ لا تعرفين ذلك عن نفسك".

واحتلت الطبيعة مكانة محورية في أعمال بوريسوف-موساتوف. ففي لوحة "النسيج" صوّر ضيعة زوبريلوفكا في مقاطعة ساراتوف، بينما تظهر شقيقته في مقدمة اللوحة مرتدية أزياء تعود إلى القرن الثامن عشر. وقد قامت والدته وشقيقته في البداية بخياطة هذه الملابس، قبل أن يطلب تنفيذها خصيصا لأعماله.

ولم يقتصر اهتمام الفنان على الرسم، بل كان بارعا أيضا في الحرف اليدوية؛ إذ أتقن التطريز وصناعة الشعر المستعار التاريخي الذي كانت ترتديه العارضات في لوحاته، في إطار حرصه على بناء عالم بصري متكامل ينسجم مع رؤيته الفنية.

ويخصص المعرض قاعة كاملة لشغف بوريسوف-موساتوف بالتصوير الفوتوغرافي، ودوره في تشكيل رؤيته الفنية. وتوضح غليبوفا أن الفنان كان يستخدم الصور الفوتوغرافية بوصفها نقطة انطلاق، فيستعيد من خلالها مشاهد من الماضي ويقتطع من الواقع نماذج بعيدة عن صخب الحياة اليومية، قبل أن يعيد صياغتها في أعماله التشكيلية ضمن عالمه الفني الخاص.

ومن أبرز الأعمال المعروضة لوحة "الانسجام"، التي تكشف تأثر الفنان بأسلوب الرسام الفرنسي بيير بوفيس دي شافان. وتوضح غليبوفا أن بوريسوف-موساتوف كان يبدأ عمله برسم عدد كبير من الدراسات التخطيطية من الطبيعة، وهي معروضة إلى جانب اللوحة، ثم يعيد تفسيرها فنيا بحثا عن التكوين المثالي، قبل أن يجمع عناصرها معا على سطح اللوحة كما لو كانت قطع أحجية.

وتضم القاعة الأخيرة ثلاث لوحات لمناظر الخريف الطبيعية، أنجزها الفنان في الأشهر الأخيرة من حياته داخل ضيعة عائلة تسفيتايف قرب مدينة تاروسا، بعدما انتقلت أسرته إليها بسبب ضائقة مالية، بدعم من الرسام فاسيلي بولينوف، أول معلم لبوريسوف-موساتوف.

وتوضح مانوشاروفا أن لوحة "الخريف" تجسد المكان الذي عُرف لاحقا باسم "منحدر موساتوف"، مضيفة أن الفنان تأثر بذلك المشهد إلى درجة أنه أوصى بأن يُدفن فيه، وهو ما تحقق بعد وفاته.

ويقدم المعرض أيضا مجموعة من الرسومات التخطيطية التي أعدها الفنان لجداريات تمثل فصول السنة، بطلب من المهندس المعماري فيودور شيختل لتزيين قصر ألكسندرا ديروجينسكايا، وهو المبنى القائم حتى اليوم في شارع كروبوتكينسكي، ويضم حاليا مقر السفارة الأسترالية.

غير أن صاحبة القصر لم تُقدّر العمل، إذ عرضت على الفنان مبلغا لا يغطي سوى تكلفة المواد المستخدمة. وشعر بوريسوف-موساتوف بالإهانة ورفض تقاضي أي مقابل.

أما آخر أعماله فكانت لوحة "ريكويم"، التي رسمها رثاء لملهمته المقربة ناديجدا ستانيوكوفيتش. وتشير مانوشاروفا إلى أن الفنان تأثر بشدة بوفاتها، ويرجح أن الصدمة النفسية كانت من الأسباب التي أدت إلى إصابته بأزمة قلبية مفاجئة.

وتصف أمينة المتحف السنوات الأخيرة من حياة ستانيوكوفيتش بأنها كانت مأساوية؛ إذ رافقت زوجها إلى جبهات الحرب الروسية-اليابانية بوصفها ممرضة، لكن الأهوال التي شهدتها تركت آثارا عميقة على صحتها النفسية، لتنتهي حياتها في مستشفى أوسولتسيف للأمراض النفسية، حيث لم تعد تتعرف إلا على بوريسوف-موساتوف، الذي واصل زيارتها خلال أشهرها الأخيرة.

ورغم هذه الخاتمة المؤثرة، لا ينتهي المعرض بأجواء الحزن، بل بلوحة "القلادة الزمردية"، التي تمتاز بألوانها الزاهية وحيويتها، وكان بوريسوف-موساتوف يعدّها أنجح أعماله وأكثرها اكتمالا من الناحية الفنية.

وتظهر ضيعة زوبريلوفكا كذلك في لوحته الشهيرة "الأشباح". ففي أواخر الخريف زار الفنان القصر برفقة شقيقته وخطيبته، وعندما حان وقت مغادرة السيدتين، استلهم من مشهد الوداع لوحة صوّر فيها موكب رحيلهما، محولا لحظة عابرة إلى مشهد شعري يفيض بالحنين.

المصدر: ريا نوفوستي

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا