وسط ألق المهرجان الموسيقي الثالث "عبقرية المكان"، واحتضان مسرح الدراما العريق في مدينة سمولينسك التاريخية لهذا الحدث الفني، قُدِّمت الأمسية الموسيقية بدعم كريم من مؤسسة المبادرات الثقافية وحكومة منطقة سمولينسك، لتتحول إلى تحية فنية تليق بعظمة كبار الملحنين، وتجوب المدن الروسية حاملة جمال الموسيقى وروحها الخالدة.
وجاء المايسترو فاليري غيرغييف برفقة فرقته في رحلة موسيقية وفاء لأعلام الموسيقى الروسية في مواطنهم الأصلية، شملت سبع مدن روسية هي: فيليكي نوفغورود، بسكوف، تيخفين، فوتكينسك، سمولينسك، أورانيينباوم، وسانت بطرسبرغ. وقبل وصولهم إلى سمولينسك، زاروا مدينة فوتكينسك، حيث أحيوا ذكرى ميلاد المؤلف الموسيقي الروسي العظيم بيوتر تشايكوفسكي بتقديم أوبرا ملكة البستوني، قبل أن ينتقلوا إلى سمولينسك ليُمتعوا الجمهور بملحمة وطنية خالدة.
واستمع سكان سمولينسك وضيوف المدينة إلى أوبرا الحياة من أجل القيصر، بإخراج دميتري تشيرنياكوف، وقد قُدمت مصحوبة بالرقصات البولندية المستعادة وفق تصميم الرقصات لكل من سيرغي كورين وأندريه لوبوخوف من عرض عام 1939. وأدى الأدوار الرئيسية في الأوبرا كل من ستانيسلاف تروفيموف، وإيكاترينا سافينكوفا، وسفيتلانا كاربتشوفا، ويارامير نيزاموتدينوف، فيما كان المايسترو غيرغييف يقود الجميع بعصاه الساحرة.
وتُعد هذه الأوبرا استحضارا للحظات البطولية في التاريخ الروسي، وتحديدا زمن المحن والغزو البولندي وبداية حكم سلالة آل رومانوف. وهي تروي قصة الفلاح إيفان سوزانين الذي ضحّى بحياته لإنقاذ القيصر الشاب ميخائيل رومانوف. ووفقا للرواية التاريخية، فقد تعرّض سوزانين للتعذيب حتى الموت على يد الجنود البولنديين بعدما رفض الكشف عن مكان إقامة القيصر الجديد.
وفي وقت لاحق، نشأت أسطورة رومانسية حول إيفان سوزانين، الذي وهب روحه فداء للقيصر ميخائيل، إذ عرض على الجنود البولنديين أن يقودهم إلى مخبأ القيصر، لكنه اقتادهم بدلا من ذلك إلى غابة كثيفة ومستنقعات موحشة، حيث هلك النبلاء البولنديون، بعد أن قتلوا مرشدهم.
وكان الشاعر الروسي فاسيلي جوكوفسكي قد اقترح، في مطلع القرن التاسع عشر، هذه القصة البطولية على المؤلف الموسيقي ميخائيل غلينكا، الذي وافق عليها بحماس، إذ كان يحلم بتأليف أوبرا روسية كبرى تُخلّد معاني البطولة والتضحية.
ولم تكن الأوبرا مجرد ألحان ومشاهد مسرحية، بل لوحات نابضة بروح الشعب الروسي، تتنفس جمال الطبيعة الروسية العذراء، وتغوص في أعماق شخصيات متعددة الأبعاد، حيث تنصهر الأرواح بحب الوطن في أقدس علاقة. وهناك، في سمولينسك، لم يكن المسرح مجرد منصة عرض، بل بدا وكأنه معبد لذاكرة تتغنى بالمجد والتاريخ.
المصدر: تاس