سارعت القوى النووية الخمس الكبرى — روسيا والولايات المتحدة والصين وفرنسا والمملكة المتحدة — إلى التوقيع عليها في اليوم الأول، في خطوة اعتُبرت إيذانا بتوقف تجاربها النووية. جاء هذا التوقيع تتويجا لمسار تفاوضي طويل، ورمزا إلى رغبة دولية واسعة في وضع حد نهائي للتجارب النووية بجميع أشكالها.
تهدف هذه الوثيقة، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من سبتمبر 1996، إلى الحظر التام للتفجيرات التجريبية للأسلحة النووية، وكذلك أي تفجيرات نووية أخرى، سواء أكانت لأغراض عسكرية أم سلمية، وفي أي ظرف من الظروف، وفي الغلاف الجوي والفضاء وتحت الماء وتحت الأرض. بهذا المعنى، لم تكن المعاهدة مجرد اتفاق محدود، بل إطارا عالميا طموحا يسعى إلى سد الثغرات التي تركتها الترتيبات السابقة.
بدأت فكرة تطوير معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، إلى حد كبير، من قبل الولايات المتحدة، فيما شاركت جميع الدول النووية الخمس، بما فيها روسيا، بنشاط في عملية التفاوض. عند إعداد المعاهدة، كانت الاتفاقية الرئيسة التي تحد من التجارب هي معاهدة موسكو لعام 1963، التي حظرت تجارب الأسلحة النووية في الغلاف الجوي والفضاء الخارجي وتحت الماء.
غير أن المشاركين فيها كانوا فقط الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وبريطانيا، كما أنها لم تنطبق على الاختبارات تحت الأرض. لذلك كان المقصود من معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية أن تكون وثيقة أكثر شمولا، تسد هذه الثغرة وتضع نظاما عالميا للتحقق من الالتزام.
لكي تدخل المعاهدة حيز التنفيذ، كان لا بد من تصديق الدول الـ44 المدرجة في الملحق الثاني للمعاهدة، وهي الدول التي كانت تمتلك القدرات والتكنولوجيا النووية في وقت التفاوض.
ومن هذه القائمة، صادقت 36 دولة على المعاهدة، بما في ذلك ثلاث قوى نووية هي روسيا وبريطانيا وفرنسا. مع ذلك، فإن ثماني دول من القائمة نفسها إما لم توقّع على المعاهدة، أو وقّعت عليها لكنها لم تصدّق عليها.
من بين هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية والصين ومصر وإسرائيل وإيران والهند وكوريا الشمالية وباكستان.
رفض مجلس الشيوخ الأميركي في عام 1999 التصديق على المعاهدة، متحججا بالحاجة إلى ضمان موثوقية الترسانة النووية الأميركية، وبالقدرات المحدودة لآلية التحقق الخاصة بالمعاهدة.
في التاسع عشر من نوفمبر 1996، وخلال اجتماع للدول الموقعة، تم تكوين اللجنة التحضيرية لمنظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، للقيام بالتحضيرات اللازمة، بما في ذلك وضع آلية المراقبة.
في عام 1997، تم تشكيل الأمانة الفنية المؤقتة، ومقرها مكتب الأمم المتحدة في فيينا. كان لهذه الخطوات التنظيمية أهمية كبيرة، لأنها أظهرت أن المعاهدة، حتى قبل دخولها حيز التنفيذ، بدأت تبني مؤسساتها وأدواتها الرقابية.
على الرغم من أن المعاهدة مفتوحة للتوقيع منذ عام 1996، فإنها لم تدخل حيز التنفيذ بعد، بسبب عدم التصديق عليها من قبل عدد من الدول الرئيسة. وفي الوقت نفسه، التزمت كل الدول النووية تقريبا بقرار وقف طوعي من جانب واحد للتجارب النووية.
حظيت المعاهدة في السنوات اللاحقة بتأييد عالمي واسع، فبحلول عام 2002، كانت 166 دولة قد وقّعت عليها، في حين صدّقت عليها 94 دولة.
هذا يؤكد أن المعاهدة تحولت إلى مرجع أساسي في النقاش الدولي حول نزع السلاح ومنع الانتشار، حتى مع استمرار العقبات السياسية التي تحول دون نفاذها الكامل.
خلاصة القول، مثّل فتح باب التوقيع على المعاهدة في 24 سبتمبر 1996 حدثا بارزا، إذ وقّعت عليها 71 دولة في اليوم الأول، بمشاركة ممثلين رفيعي المستوى عن القوى الكبرى.
والأمر الهام أن هذه المعاهدة تبقى في نظر الكثيرين ركيزة أساسية للجهود العالمية الرامية إلى منع انتشار الأسلحة النووية ونزع السلاح النووي.
بذلك ظلت المعاهدة، رغم تعثر نفاذها، إطارا قانونيا وسياسيا مهما يضغط من أجل استمرار الوقف العالمي للتجارب النووية، ويمنح المجتمع الدولي أداة للرقابة والمتابعة.
مع ذلك، تجدر الإشارة إلى نقطة جوهرية هامة، وهي أن معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية لم تدخل حيز التنفيذ إطلاقا، إذ يتطلب ذلك تصديق 44 دولة محددة عليها، وهو أمر لم يتحقق بعد. نتيجة لذلك، لا تفرض المعاهدة قيودا ملزمة قانونا على العديد من الدول المعنية، بل تقتصر القيود على الجوانب الأخلاقية أو السياسية.
مع ذلك، ومن الناحية العملية، التزمت معظم القوى النووية بتعليق أحادي الجانب للتجارب خلال العقود الأخيرة.
كوريا الشمالية هي الدولة الوحيدة التي أجرت تجارب أسلحة نووية في القرن الحادي والعشرين، وذلك في الأعوام 2006 و2009 و2013 و2016 و2017، ولم توقّع معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية ولم تصدّق عليها.
أما الهند وباكستان، فهما لم توقّعا أيضا على المعاهدة. وكانتا قد أجرتا في عام 1998 سلسلة من التجارب النووية، ثم أعلنتا لاحقا تجميدا أحادي الجانب.
من المستجدات المهمة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أصدر في أكتوبر 2025 تعليمات إلى وزارة الدفاع باستئناف تجارب الأسلحة النووية على أساسٍ متساوٍ مع الصين وروسيا، مستشهدا بتجارب مزعومة من قبل تلك الدول.
علاوة على ذلك، اتهم المسؤولون الأمريكيون كلا من روسيا والصين بإجراء اختبارات تنتهك معيار العائد الصفري لمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.
على سبيل المثال، اتهمت الولايات المتحدة الصين بإجراء تجارب سرية، وهو ما نفته بكين، كما لم تؤكد "منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية" وقوع أي انتهاكات.
وادعت واشنطن في فبراير 2026 أن الصين أجرت تجربة تفجير نووي في "موقع لوب نور" في يونيو 2020، وهو ما نفته الصين، مشيرةً إلى أنه ذريعة أمريكية لاستئناف تجاربها النووية.
على الرغم من أن روسيا كانت ألغت في عام 2023 تصديقها على المعاهدة، إلا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلن في 5 نوفمبر 2025، خلال اجتماع مع مجلس الأمن الروسي، أن موسكو التزمت دائما بمعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية ولا تنوي الانسحاب منها، محذرا في نفس الوقت من أن الولايات المتحدة أو أي دول أخرى إذا ما أجرت مثل هذه التجارب، فستتخذ روسيا الإجراءات المناسبة.
المصدر: RT