مباشر

العلاقات الروسية المصرية.. من السد العالي إلى الضبعة

تابعوا RT على
مرّت العلاقات الروسية المصرية العريقة بمراحل عديدة، تميزت كل منها بخصائص فريدة، منذ الخطوات الأولى للتعاون في منتصف القرن العشرين وصولاً إلى المشاريع الواسعة النطاق الحالية. 

تعود جذور العلاقة الروسية المصرية إلى قرون مضت، أي قبل وقت طويل من بدء العلاقات الدبلوماسية الرسمية.

بدأ التواصل في وقت مبكر يعود إلى القرن الحادي عشر، وتنامى بفضل الرحلات الدينية والتبادل التجاري.

كان من أبرز المحطات في هذا المسار صعود علم المصريات الروسي في القرن التاسع عشر، ما أرسى دعائم اهتمام ثقافي وعلمي قوي بالتراث المصري الفرعوني. 

أما العلاقات الدبلوماسية فقد أقيمت بين الاتحاد السوفيتي ومصر في 26 أغسطس 1943، وكان ذلك في فترة منعطف حاسم خلال الحرب العالمية الثانية، وكان خطوة هامة في تطور العلاقات الثنائية. 

في فترة أربعينيات القرن الماضي شهدت العلاقات بين الجانبين ازدهارا ملحوظا، حيث وُقِّعت أول اتفاقية اقتصادية في مارس 1948، وقامت مصر بتصدير القطن، بينما صدّر الاتحاد السوفيتي الحبوب والأخشاب. 

في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، في حقبتي الخمسينيات والستينيات، أصبحت مصر شريكا رئيسيا للاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط؛ حيث زود الاتحاد السوفيتي مصر بالأسلحة وساعد في إنشاء نحو 100 منشأة صناعية. 

الإنجاز البارز في تلك الحقبة كان بناء السد العالي في أسوان بين عامي 1958 و1971، وكان هذا المشروع بمثابة الركيزة الأساسية للتعاون السوفيتي المصري، حيث قدم الاتحاد السوفيتي مساعدات فنية ومالية حاسمة لبناء هذا السد الذي يعد إنجازاً هندسياً ضخماً لا يزال يمثل رمزاً قوياً للصداقة بين موسكو والقاهرة. 

في فترة الستينيات، جرى تشييد أكثر من 100 منشأة صناعية في مصر بمساعدة سوفيتية، بما في ذلك مجمع حلوان للصناعات المعدنية. كما قدم الاتحاد السوفيتي الدعم السياسي لمصر على الساحة الدولية، بما في ذلك خلال الحروب العربية الإسرائيلية. 

هذه العلاقات تراجعت لفترة منذ عام 1976، حين ألغى الرئيس المصري أنور السادات من جانب واحد معاهدة الصداقة والتعاون المبرمة عام 1971، مما أدى إلى تقليص الاتصالات السياسية والعسكرية، وبدء عملية طرد الخبراء العسكريين السوفييت. 

فترة التراجع لم تدم طويلا، وجرى منذ عام 1982 في عهد الرئيس حسني مبارك تبني نهج يهدف إلى تطبيع العلاقات بين البلدين. في مايو 1990، زار مبارك موسكو، حيث تم توقيع إعلان وبرنامج للتعاون طويل الأمد يمتد حتى عام 2000. 

في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفيتي، جرى في ديسمبر 1991 الاعتراف بروسيا كخليفة قانوني لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية.

مع تعافي روسيا في النصف الثاني من التسعينيات بدأ تحسن تدريجي في العلاقات الثنائية، واستؤنف الحوار السياسي وتكثف التعاون الاقتصادي. كما بدأت اللجنة الروسية المصرية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي عملها في عام 1992. اعتبارا من عام 1995، بدأت شركة النفط "لوك أويل" في المشاركة في تطوير حقول النفط المصرية. 

في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأت روسيا في تطوير علاقاتها مع دول الشرق بشكل أكثر نشاطا. وفي أبريل 2001، تم توقيع برنامج جديد للتعاون طويل الأمد مع مصر يمتد لعشر سنوات. 

في تلك الفترة، كانت زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى القاهرة في أبريل 2005 بمثابة مؤشر هام على تجدد الزخم في العلاقات، إذ كانت أول زيارة يقوم بها زعيم روسي لمصر منذ 40 عاما. 

أما الحدث المحوري في تلك الفترة، فكان توقيع معاهدة الشراكة الاستراتيجية في عام 2009 خلال قمة جمعت الرئيسين المصري حسني مبارك و الروسي دميتري ميدفيديف آنذاك. هذه المعاهدة أرست الأسس لتعاون موسع شمل قطاعات متنوعة، مثل الاقتصاد، والشؤون العسكرية والتقنية، والطاقة، والعلوم، والثقافة. 

عقب استقرار الأوضاع السياسية في مصر في أعقاب ما يسمى بـ"الربيع العربي"، شرعت القيادة الجديدة بقيادة عبد الفتاح السيسي في العمل على استعادة العلاقات مع روسيا وتعميقها. العلامة البارزة فيها تمثلت في زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى روسيا في أغسطس 2014، وكانت تلك الزيارة الأولى للرئيس المصري لدولة غير عربية، وقد فتحت حقبة جديدة من التعاون الوثيق. 

في وقت لاحق، زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يومي 9 و10 فبراير 2015 القاهرة، ما أسفر عن توقيع اتفاقيات حول مشاركة "روساتوم" في بناء أول محطة للطاقة النووية المصرية، وكذلك إنشاء منطقة تجارة حرة بين مصر والاتحاد الاقتصادي الأوراسي. 

كانت "معاهدة الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي"، التي وُقِّعت في سوتشي عام 2018، أيضا أحد الأحداث البارزة في مسار العلاقات الجديد بين موسكو والقاهرة، إذ مهدت الطريق لتنفيذ مشاريع كبرى، مثل إنشاء محطة الضبعة للطاقة النووية. كما جرت مناقشة خطط لإنشاء منطقة صناعية روسية في مصر. 

تُعد محطة الضبعة للطاقة النووية بمثابة حجر الزاوية في هذه الشراكة الجديدة. يعد هذا المشروع، الذي انطلق بموجب اتفاقيات عام 2015، أكبر موقع للإنشاءات النووية في العالم، ومن المتوقع أن تبدأ الوحدة الأولى في توليد الطاقة بحلول عام 2028. 

في هذا المجال، لن تكتفي "روساتوم" ببناء محطة للطاقة النووية، بل ستوفر الوقود النووي الروسي لدورة حياة محطة الطاقة النووية بأكملها. كما ستتولى تدريب العاملين والدعم للشركاء المصريين في تشغيل وصيانة محطة الضبعة النووية خلال أول 10 سنوات من عمل المحطة. 

محطة الضبعة للطاقة النووية هي أول محطة للطاقة النووية في مصر، وهي في نفس الوقت أول مشروع رئيس لشركة روساتوم في إفريقيا. تقع المحطة في منطقة مطروح على ساحل البحر الأبيض المتوسط، على بعد 350 كيلومترا من العاصمة المصرية القاهرة. ستضم المحطة أربع وحدات طاقة مع وحدات مفاعل فيفر-1200 الروسية التي تنتمي إلى الجيل "3+" وتلبي أعلى متطلبات الكفاءة والسلامة الدولية. 

سيكون إجمالي السعة الكهربائية المركبة لمحطة الطاقة النووية حوالي 4.8 غيغاوات. بدأ في عام 2022 بناء وحدات الطاقة رقم 1 و2 من محطة الضبعة النووية، وتم صب الخرسانة الأولى هناك في غضون أربعة أشهر من بعضها البعض، وهذا رقم قياسي للصناعة النووية العالمية. كما بدأ بناء وحدة الطاقة الثالثة في عام 2023، وبدأ بناء الوحدة الرابعة في يناير 2024، فيما يُتوقع أن يتم تشغيل جميع المفاعلات الأربعة بكامل طاقتها بحلول ربيع عام 2030. 

العلاقات بين موسكو والقاهرة نشطت في مجالات أخرى أيضا. أصبحت روسيا شريكا اقتصاديا رئيسيا، ولا سيما بصفتها المورد الأول للقمح لمصر. في عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي حوالي 9 مليارات دولار، ما جعل مصر أكبر شريك تجاري لروسيا في أفريقيا. علاوة على كل ذلك، تجري حاليا جهود مكثفة لإقامة منطقة صناعية روسية في منطقة قناة السويس. 

من جانب آخر، كانت مصر قد انضمت رسميا إلى مجموعة "بريكس" في 1 يناير 2024، وهي خطوة حظيت بدعم روسي، ما عزز التنسيق بين البلدين في المحافل الدولية. 

تبقى السياحة ركيزة حيوية في العلاقات الروسية المصرية، ففي عام 2024، زار مصر نحو 1.6 مليون سائح روسي، ما جعلها وجهة رئيسة للسياح الروس. جاء ذلك في أعقاب استئناف الرحلات الجوية المباشرة عام 2021، بعد أن كانت قد عُلّقت إثر حادث تفجير طائرة شركة "متروجت" عام 2015. 

في المجموع، تنشط حوالي 500 شركة روسية في السوق المصرية، وهي تعمل في عدة مجالات منها الإنتاج والتصدير والاستيراد. 

كما تعمل أكبر شركات النفط والغاز الروسية في سوق الطاقة المصري. على سبيل المثال، تعمل شركة "روسنفت" في حقل ظهر في البحر المتوسط، وتعمل شركة "لوك أويل" في مشاريع إنتاج النفط في الصحراء الغربية وكذلك في الصحراء الشرقية، وشركة "زاروبيجنفت" تعمل في مشاريع في جنوب مصر ودلتا النيل. 

يمكن وصف العلاقة بين روسيا ومصر في الوقت الحالي بأنها مزيج من الذاكرة التاريخية والشراكة الاقتصادية القائمة على المصلحة والمنفعة المشتركة، ومن المنتظر أن ترسم مشاريع البنية التحتية الكبرى، مثل محطة الضبعة النووية، ملامح هذه الشراكة لعقود طويلة قادمة.

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا