وفي التفاصيل، دان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اليوم الاثنين بشدة تصريحات زعيم التيار اليهودي الحريدي-الليتواني، الحاخام دوف لاندو، ضد عناصر في تيار الصهيونية الدينية المؤيدين للخدمة في الجيش الإسرائيلي وتجنيد طلاب المدارس الدينية.
وفي أول رد فعل على العاصفة التي أثارها نشر هذه التصريحات مساء أمس، قال نتنياهو: "إنني أرفض بشدة هذه التصريحات الصادمة ضد مقاتلي جيش الدفاع الإسرائيلي من الصهيونية الدينية".
وأضاف: "إن مقاتلي الجيش الإسرائيلي، من المتدينين والعلمانيين والحريديم، يتركون منازلهم وأعمالهم وعائلاتهم، ويخاطرون بحياتهم لحماية دولة إسرائيل ومواطنيها وشعب إسرائيل بأكمله.. إنهم يستحقون تقديرا عميقا، وعرفانا بالجميل، ودعما كاملا من كافة أطياف المجتمع، وبالتأكيد من عالم التوراة أيضا".
ووفق "معاريف"، يأخذ الصراع الفكري بين القيادة الليتوانية والصهيونية الدينية، في أعقاب رد نتنياهو، أبعادا سياسية واضحة أيضا. فرئيس الوزراء يخرج علنا ضد الزعيم الروحي لحزب "ديغل هاتورا" (الحاخام دوف لاندو)، وهو الرجل الذي قاد في الأشهر الأخيرة تصعيد النضال الحريدي ضده حول قانون التجنيد، وأصدر تعليماته لممثلي الكتلة البرلمانية بالعمل على حل الكنيست بعد أن قرر أنه لم يعد يثق بنتنياهو وأن "مفهوم الكتلة (الائتلافية)" لم يعد ملزما بالنسبة له.
وعلى هذه الخلفية، يبرز الحذر الذي صيغ به بيان رئيس الوزراء. فهو يدافع صراحة عن مقاتلي الصهيونية الدينية ويرفض التصريحات بشدة، لكنه لا ينزلق إلى مهاجمة المجتمع الحريدي بأسره، ولا يطالب الحاخام لاندو بالاعتذار، ولا يوجه انتقادا مباشرا لحزب "ديغل هاتورا".
وقد حرص نتنياهو في حديثه على ذكر الجنود الحريديم أيضا إلى جانب المتدينين والعلمانيين. أما الجملة الختامية، التي تفيد بأن المقاتلين يستحقون الدعم "وبالتأكيد من عالم التوراة أيضا"، فهي موجهة مباشرة إلى القيادة الحاخامية الحريدية، وتوضح أن التصريحات، من وجهة نظره، قد تجاوزت خطاً مجتمعياً وأخلاقيا.
وبدأت العاصفة في أعقاب توثيق لقاء عقده الحاخام لاندو مع رئيس مدرسة "مير" الدينية، الحاخام أليعازر يهودا فينكل، ومع المشرف على المدرسة، الحاخام بنيامين فينكل. حيث زار رئيسا المدرسة منزله لشكره على رحلته إلى الولايات المتحدة لجمع التبرعات لعالم المدارس الدينية، على خلفية تقليص ميزانيات هذه المدارس والصراع على مكانة طلابها. وخلال المحادثة، أوضح الحاخام لاندو أنه خرج في هذه الرحلة لضمان أن يكون لدى المدارس الدينية "ما تدفعه".
وانتقل النقاش حول صعوبات التمويل و"المراسيم الجائرة" ضد عالم التوراة إلى هجوم حاد على أجزاء من "الصهيونية الدينية"، حيث قال الحاخام لاندو إن هناك "أشرارا" أيضا بين مرتدي القبعات المنسوجة، ثم حدد كلامه وأوضح: "أنا أتحدث عن أصحاب القبعات المنسوجة الذين يجبرون (الناس) على الذهاب"، أي أولئك الذين يؤيدون إلزام طلاب المدارس الدينية بالتجنيد.
وتابع قائلاً في وقت لاحق: "إذا كانت الدولة ترسل أناسا، جنودا، من أجل كرامة الدولة، ويُقتل أناس - فهل هذا مسموح أيضا؟ إنه قتل حقيقي. إذن فهم يحرضون على القتل، هذا ما يفعلونه. إنهم يخوضون حروبا ليس فقط من أجل الإنقاذ، بل من أجل كرامة الدولة".
ولم يفصل الحاخام لاندو أي حرب أو جبهة أو قرار سياسي كان يقصده، ولم يذكر أسماء حاخامات أو سياسيين أو هيئات في الصهيونية الدينية. وبالتالي، لا يوجد أساس للجزم بأنه وصف جميع حروب إسرائيل بأنها قتل أو أنه وصف كل جندي في الجيش الإسرائيلي بالقاتل. ومع ذلك، فإن هذه التصريحات لا تبقى في حدود الخلاف الموضعي حول قانون التجنيد؛ فالحاخام يشكك من خلالها في الشرعية الأخلاقية للعمليات العسكرية التي لا تهدف، حسب رؤيته، إلى إنقاذ الأرواح بشكل فوري، وينسب لمن يشجعون على الخدمة في الجيش مسؤولية أخلاقية عن أفعال وصفها بأنها "قتل حقيقي".
وقد فُهمت الكلمات بطريقتين. فثمة من رأى فيها هجوما مباشرا على جنود "الصهيونية الدينية"، بينما أكد آخرون أن الحاخام كان يستهدف أساسا مؤيدي فرض التجنيد. ويظهر من النص الكامل أن الحاخام لاندو هاجم جهات في "الصهيونية الدينية" تشجع على الخدمة أو تلزم بها، لكن ادعاءه يمس أيضا الشرعية التي تمنحها الصهيونية الدينية للخدمة في الجيش الإسرائيلي ولحروب إسرائيل، حسب "معاريف".
وتكتسي توقيت هذه القضية أهمية بالغة. فقد نُشرت تصريحات الحاخام لاندو في وقت تقف فيه قضية تجنيد طلاب المدارس الدينية في قلب صراع سياسي حاد بين الأحزاب الحريدية ونتنياهو. وفي نظر القيادة الليتوانية، لا يقتصر الخلاف على صيغة البنود أو أهداف التجنيد أو العقوبات، بل يكمن في جوهره في السؤال عما إذا كانت الدولة ستسمح لعالم المدارس الدينية بالاستمرار في الوجود دون إلزام طلابه بالخدمة.
ويتعين على نتنياهو الآن المناورة بين مركزي ضغط. فالصمت أمام تصريحات الحاخام لاندو كان يمكن أن يُفسر على أنه تخل عن جمهور المقاتلين الصهيوني الديني، وهو جمهور مركزي في قاعدة تأييد كتلة اليمين، ويتحمل جزءا كبيرا من عبء القتال والخدمة الاحتياطية. أما الرد الشخصي والهجومي المفرط تجاه الحاخام فكان من شأنه أن يفاقم الشرخ مع "ديغل هاتورا" ويضر بفرص ترميم العلاقات مع الأحزاب الحريدية في المستقبل.
ورد حزب "ديغل هاتورا" على تصريحات نتنياهو بالقول: "إن كلام كبار التوراة هو قدس أقداس شعب إسرائيل، وبفيهم نحيا. ومن لا يعيش في عالم التوراة ولا يفهم عمق كلامهم، فمن الأفضل له ألا يتسرع في تفسيره، وبالتأكيد ليس في مهاجمته. احذروا من جمرهم".
المصدر: "معاريف"