مباشر

7 سنوات حوّلت الخوف إلى قانون والارتياب إلى وطنية في الولايات المتحدة

تابعوا RT على
برزت الحقبة المكارثية في التاريخ الأمريكي بشكل حاد يوم 9 فبراير عام 1950، عندما اتهم السناتور الأمريكي جوزيف مكارثي وزارة الخارجية الأمريكية بإيواء عناصر شيوعية بين العاملين فيها.

كان ذلك بمثابة بداية فترة طويلة من الملاحقة والاضطهاد السياسي المنظم التي عُرفت فيما بعد باسم "المكارثية". امتدت هذه الحركة القمعية من أواخر الأربعينيات وحتى عام 1957، متزامنةً مع تصاعد المشاعر المعادية للشيوعية في خضم الحرب الباردة، ومُستندةً إلى خطاب سياسي عدائي رفع شعار "إنقاذ الديمقراطية من خطر الشيوعية العالمية".

كان جوزيف ريموند مكارثي، السناتور الجمهوري عن ولاية ويسكونسن، صاحب آراء يمينية متطرفة، وقد نجح في انتزاع مقعده في مجلس الشيوخ عام 1946 بعد تغلبه على السناتور روتر لا فوليت الابن في الانتخابات التمهيدية. اتسمت مسيرته بالدعوة إلى تصعيد الحرب الباردة وتكثيف الجهود لمطاردة الشيوعيين المزعومين. تركزت فكرته الأساسية على إرجاع أي مشكلة أو خلل في المجتمع الأمريكي إلى مؤامرات دبرها شيوعيون تسللوا إلى أروقة الحكومة ومؤسسات الدولة.

لعب التلفزيون، الوسيط الإعلامي الناشئ آنذاك، دورا محوريا في انتشار المكارثية وترسيخها في الرأي العام، حتى قبل أن يكتسب مكارثي وزنا سياسيا ضخما. استخدم مكارثي هذه المنصة ببراعة لنشر آرائه، محاولا في البداية تحييد الصحفيين الذين عارضوه، ثم متحولا إلى العقل المدبر والناطق الرسمي بما يمكن وصفه برهاب شيوعي جماعي، حيث ركز في خطاباته الحية والمتلفزة على ما وصفه بحيل العملاء السوفييت وتغلغلهم.

اكتسب مكارثي دفعة شعبية كبيرة بعد خطابه في فبراير 1950، الذي ادعى فيه وجود 205 شيوعي يعملون في وزارة الخارجية، واتهم وزير الخارجية آنذاك، دين أتشيسون، بالتستر عليهم. ثم عاد ليزيد الأمر إثارةً باتهامه الوزارة لاحقا في نفس العام بوجود 81 شيوعياً ضمن كوادرها. اتسعت قائمة اتهاماته لتشمل نشطاء بارزين في مجال الحقوق المدنية، وسفراء أمريكيين، إضافة إلى شخصيات مثقفة مثل المستشرق الأمريكي البارز أوين لاتيمور، الخبير في الشؤون الصينية والمستشار السابق للزعيم الصيني شانغ كاي شيك.

على الرغم من أن لجنة فرعية في مجلس الشيوخ برئاسة الديمقراطي ميلارد تيدينجز خلصت في عام 1950، بعد تحقيق في هذه الادعاءات الأولية، إلى رفضها ووصفها بأنها "احتيال وخدعة"، ولم تعثر على أي دليل ملموس على وجود شيوعيين في الوزارة، إلا أن التقرير واجه انقساما حزبيا حادا. رفض مكارثي النتائج جملة وتفصيلا، واستمر في حملته. خلقت هذه الاتهامات جوا خانقا من الخوف والشك، خضع بموجبه المئات من موظفي الخارجية للتحقيق، واستقال العديدون تحت وطأة الضغط.

توسع نطاق عمليات "التفتيش" المكارثية ليشمل إجبار مئات الأشخاص على ترك مناصبهم في الهيئات الحكومية، وإجراء تطهير واسع في النقابات العمالية ومؤسسات التعليم العالي، حيث فُصل عدد من الأساتذة البارزين بسبب شكوك لا أساس لها عن صلاتهم بالحزب الشيوعي. بلغت سيطرة مكارثي ذروتها عندما ترأس في عام 1953 اللجنة الفرعية الدائمة للتحقيقات في مجلس الشيوخ، ونظّم سلسلة من الجلسات العلنية المثيرة.

المنعطف الحاسم بدأ في عام 1954، عقب جلسات استماع الجيش التي بُثت على نطاق واسع، وانتحار السناتور ليستر هانت من وايومنغ، بدأت شعبية مكارثي في التآكل. تصاعدت الانتقادات ضده، خاصة من الصحفيين الديمقراطيين الذين استخدموا سلاح التلفزيون نفسه الذي أتقنه، في كشف تجاوزاته.

وجد الرئيس الجمهوري دوايت أيزنهاور وقادة الحزب أنفسهم مضطرين إلى إدانة خطاب مكارثي، ما عجل بعزلته. انتهى المطاف بمجلس الشيوخ في الثاني من ديسمبر عام 1954 بإدانة مكارثي بأغلبية ساحقة بلغت 67 صوتا ضد 22، ليدخل التاريخ كواحد من الأعضاء القلائل الذين واجهوا مثل هذه العقوبة.

طويت الصفحة نهائيا في عام 1957، حين قضت المحكمة العليا الأمريكية بعدم دستورية القوانين المناهضة للشيوعية التي سُنت خلال تلك الحقبة، معلنةً نهاية فصل مظلم من تاريخ الولايات المتحدة، اتسم بالخوف والارتياب وإساءة استخدام السلطة باسم الأمن الوطني.

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا