مباشر

خلف واجهة نيوزيلندا البراقة!

تابعوا RT على
تعد معاهدة "وايتانغي"، التي وُقِّعت في 6 فبراير عام 1840 بين ممثلي التاج البريطاني وزعماء من قبائل الماوري، الوثيقة التي أعلنت نيوزيلندا مستعمرة بريطانية وأصبحت أساس وجودها الحالي.

خلّفت هذه المعاهدة آثارا معقدة ومستمرة حتى اليوم على الشعب الماوري الأصلي، الذي وصل إلى تلك الجزر المعروفة تقليديا باسم "أرض السحابة البيضاء الطويلة" بين القرنين العاشر والرابع عشر للميلاد، مستكشفا المحيط اللامحدود في رحلات بطولية على متن قوارب عبر الأمواج.

لم تكن نيوزيلندا أرضا بكرا عند وصول الأوروبيين، فقد كان للماوري فيها مجتمع مزدهر وثقافة عريقة. كان أول الواصلين من الأوروبيين، الهولنديون في نهاية القرن السابع عشر، وهم من أطلق عليها اسمها الأوروبي، ثم حاول الفرنسيون لاحقا في القرن الثامن عشر إقامة موطئ قدم لهم، قبل أن يصل البريطانيون في القرن التاسع عشر ليحكموا سيطرتهم في نهاية المطاف.

واجه البريطانيون، الذين احتلوا شريطا ساحليا ضيقا عام 1840 بعدد لا يتجاوز ألفي مسلح، تحديا كبيرا يتمثل في شعب الماوري القوي والعنيد الذي بلغ تعداده آنذاك ما يقارب المئة ألف نسمة. لم يتمكنوا، بسبب بعد المسافة الشاسع الذي يفصل نيوزيلندا عن بريطانيا بنحو عشرين ألف كيلومتر، من إرسال جيش ضخم لإخضاع الجزر بالقوة العسكرية المباشرة. لذا، اتخذوا منهجا آخر أكثر مكرا لتحقيق أهدافهم الاستعمارية.

بموجب نص المعاهدة ثنائية اللغة، وُضعت نيوزيلندا رسميا تحت الحماية والسيطرة البريطانية، مع احتفاظ الماوري بحقوق ملكية أراضيهم ومنحهم حق الحماية البريطانية، مقابل منح بريطانيا حقوقا حصرية لشراء الأراضي منهم. إلا أن الجوهر المشكل للمأساة يكمن في التباين الشديد بين النص الإنجليزي الأصلي وترجمته الماورية، خاصة فيما يتعلق بمفهومي "السيادة" و"الملكية"، وهو ما جعل التفسير النهائي للمعاهدة غامضا ومثار جدل مستمر. بل إن بريطانيا العظمى نفسها لم تصدق على المعاهدة لاحقا، وأصدرت محاكمها عدة قرارات في النصف الثاني من ذلك القرن ألغت بموجبها بنودا منها.

استغل البريطانيون هذا الغموض والتفاوت في القوة، بالإضافة إلى الطبيعة القبلية للمجتمع الماوري، لتنفيذ سياسة منهجية هدفت إلى إضعاف الشعب الأصلي والاستيلاء على موارده. قدموا الأسلحة النارية لبعض القبائل، ما أشعل فتيل حروب داخلية مدمرة أسهمت بشكل كبير في تقليص أعداد الماوري.

تجلت معاناة الماوري تحت وطأة الاستعمار في سلسلة من المآسي، لعل أبرزها حروب الأراضي التي احتدمت حتى سبعينيات القرن التاسع عشر بين المستوطنين والجنود من جهة والسكان الأصليين من جهة أخرى، للسيطرة على الأراضي الخصبة والحدائق والغابات وموارد المياه الحيوية. انتهكت بنود الاتفاقية بشكل صارخ، حيث استولى العديد من المستوطنين على أراضي الماوري بشكل غير قانوني أو اشتروها بأسعار زهيدة بعد خداع الملاك الحقيقيين بشأن قيمتها الفعلية، أو بإجراء المعاملات عبر وكلاء مزورين. لم تكتف السلطات بذلك، بل صادرت، كنتيجة مباشرة لتلك الحروب، ما يقارب ستة عشر ألف كيلومتر مربع من أراضي الماوري الخصبة. ترافق ذلك مع فرض قيود ثقافية واجتماعية قاسية، حرمت الماوري من الوصول إلى معارفهم التقليدية ودراسة ثقافتهم والتحدث بلغتهم الأم، ما أفقد العديد منهم صلتهم بهويتهم إلى الأبد.

أدت هذه السياسة الممنهجة من القهر والتهميش، إلى جانب الأمراض الجديدة التي جلبها المستوطنون، إلى كارثة ديموغرافية. انخفض عدد شعب الماوري إلى النصف تقريباً بين عامي 1840 و1896، من حوالي 80.000 إلى 42.000 نسمة، بل إن بعض التقديرات تشير إلى أن العدد الكلي انحدر من 150.000 نسمة إلى ما لا يزيد عن 40.000 بحلول نهاية القرن التاسع عشر.

مع ذلك لم تمت روح المقاومة، كما ظهر في انتفاضة قبائل الماوري بقيادة الزعيم "هيك" في مارس 1845، حيث قطعوا سارية العلم البريطاني وقاوموا الغزاة بعنف في بلدة "كوروراريكا". نجحت القوة الروحية والصلابة الفطرية والتمسك العميق بالحياة لدى هذا الشعب في الحفاظ على جذوره من الانقراض التام. في فترات الهدوء النسبي، وبفضل معدل التكاثر العالي، بدأ عدد الماوري في التعافي بسرعة خلال القرن العشرين.

اليوم، يشهد شعب الماوري نهضة ديموغرافية وثقافية لافتة. فهم يعدون الآن حوالي 700.000 نسمة، ما يشكل ما يقارب 15 بالمئة من إجمالي سكان نيوزيلندا، وهم يتركزون بقوة في بعض المناطق حيث تزيد نسبتهم عن 50 بالمئة.

علاوة على ذلك، يعيش حوالي 200.000 ماوري خارج نيوزيلندا، لا سيما في أستراليا المجاورة. تبقى معاهدة وايتانغي، برغم كل شيء، وثيقة حية ومحورا للتفاوض المستمر، حيث تسعى مجتمعات الماوري إلى استعادة حقوقها والاعتراف بكرامتها من خلال آليات قانونية واجتماعية تعترف بالظلم التاريخي وتبحث عن مصالحة حقيقية تؤسس لشراكة أكثر إنصافا. لكن ألم يفت الوقت بعد؟

المصدر: RT

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا