وأظهرت دراسة جديدة أن الحرفيين المصريين اعتمدوا على مزيج من المواد اللاصقة الحيوانية والنباتية، مع اختيارات مدروسة حملت معان دينية ورمزية عميقة.
وقام فريق من خبراء الترميم والمؤرخين وعلماء الآثار بتحليل 28 عينة من الدهانات والمواد اللاصقة مأخوذة من 14 قطعة أثرية، تشمل توابيت خشبية وأجزاء من مقابر وقطع معمارية من الحجر الجيري، يعود تاريخها إلى الفترة ما بين 1425 قبل الميلاد و40 ميلادية.
ولم يقتصر الاكتشاف على تأكيد استخدام الصمغ الحيواني (المستخرج من غلي العظام والأنسجة) في تثبيت الألوان، بل كشف لأول مرة عن اعتماد كبير على مكونات نباتية، أبرزها بروتينات نباتي "السمسم" و"المورينغا".
والأكثر إثارة أن العثور على بروتينات المورينغا في عينات من مجموعتين منفصلتين يشير إلى أنها كانت منتشرة الاستخدام على نطاق واسع.
وترى الباحثة الرئيسية في الدراسة، كلارا غرانزوتو، من معهد شيكاغو للفنون، أن هذا الاكتشاف ليس تقنيا فحسب، بل يكشف أن الفنان المصري القديم كان ينتقي أدواته بقصدية واضحة. فقد كانت شجرة المورينغا مرتبطة بـ"بتاح" إله الحرفيين والصناع، الذي كان يدعى "بتاح الذي تحت شجرته" (أو بتاح الذي تحت شجرة المورينغا الخاصة به)، ما يوحي بأن استخدام زيتها أو منتجاتها ربما يكون تكريسا للحرفة أو طلبا للحماية الإلهية.
ونظرا لهشاشة القطع الأثرية التي يتجاوز عمر معظمها ألفي عام، لجأ الفريق إلى تقنية "البروتيوميات" (Proteomics) المتطورة، التي تسمح باستخلاص كم هائل من المعلومات من عينات بروتينية متناهية الصغر، باستخدام إبر وشفرات جراحية تحت المجهر، مع استبعاد أي شوائب ناتجة عن أعمال سابقة.
وتعد هذه النتائج أول دليل مادي مباشر على استخدام بروتينات المورينغا في الفن المصري، رغم وجود نصوص سابقة تشير إلى معرفتها في العصر اليوناني-الروماني.
وتفتح الدراسة آفاقا لفهم أنماط الورش الحرفية، والتجارة القديمة، والتفضيلات الإقليمية، والتسلسل الزمني للمواد المستخدمة.
ويؤكد الباحثون أن عملهم يوفر منصة انطلاق لدراسة أعمق للعادات الفنية والثقافية في مصر القديمة، ويذكروننا بأن كل قطعة فنية ليست مجرد لوحة جميلة، بل نافذة على علوم وثقافات وممارسات مجتمعات مضت منذ آلاف السنين.
نشرت الدراسة مفصلة في مجلة Science Advances.
المصدر: Gizmodo