وتمكن علماء من معهد "يوراك للأبحاث" من رسم صورة مفصلة لهذا المجتمع الميكروبي المعقد، بعد تحليل عينات متعددة شملت الجليد من سطح المومياء، والمياه الذائبة من داخلها، بالإضافة إلى مسحات من الجلد ومحتويات المعدة والأمعاء من دراسات سابقة.
واستطاعوا التمييز بين نوعين من الميكروبات: تلك التي كانت موجودة في جسم أوتزي خلال حياته، وتلك التي استعمرته بعد وفاته، سواء أثناء وجوده في النهر الجليدي أو خلال العقود الثلاثة من الحفظ في المختبر منذ اكتشافه عام 1991.
ومن بين أهم النتائج التي توصل إليها الفريق، العثور على بكتيريا تعود إلى فلورا أمعاء (الميكروبيوم المعوي) "أوتزي" الأصلية في عينات من أنسجته الداخلية ومحتويات معدته.
وهذه البكتيريا، التي سبق وصفها في دراسة سابقة لمعهد يوراك عام 2019، تشبه إلى حد كبير فلورا أمعاء البشر الأوائل، وهي نادرة الوجود اليوم لدى سكان المجتمعات الصناعية.
وبهذا المعنى، يقدم "أوتزي" نافذة نادرة على الماضي الميكروبي للبشرية.
أما المفاجأة الأكبر فكانت اكتشاف أنواع من الخمائر المتكيفة مع البرد الشديد، والتي يعتقد أنها نشأت من البيئة الجليدية المحيطة.
فقد أظهرت التحليلات الجينية وجود صلة بين هذه الخمائر وسلالات من مناطق شديدة البرودة مثل أنتاركتيكا، وما زالت هذه الكائنات حاضرة على جسد "أوتزي" حتى اليوم، وإن كانت في حالة سبات، وذلك بفضل ظروف الحفظ المستقرة عند درجة حرارة سالب ست درجات مئوية ورطوبة عالية.
ويقول فرانك مايكسنر، مدير معهد دراسات المومياوات في يوراك للأبحاث: "نرى هنا استمرارية. هذه الخمائر رافقت أوتزي في رحلته الطويلة عبر آلاف السنين. المومياء ليست أثرا ثابتا، بل نظاما بيولوجيا ديناميكيا".
لكن تدخل الإنسان في حفظ المومياء ربما ترك بصمته أيضا على هذا النظام البيئي. فثلاث من الخمائر الأربع المكتشفة تمتلك القدرة الوراثية على تحليل مادة "الفينول"، وهي مادة مطهرة استخدمت بعد انتشال "أوتزي" للتخلص من الفطريات التي نمت على سطحه. وهذا يعني أن إجراءات الحفظ السابقة ربما تكون قد وفرت عن غير قصد مصدرا غذائيا لهذه الخمائر، ما ساعد على بقائها.
وتؤكد إليزابيث فالازا، مديرة متحف جنوب تيرول للآثار الذي يشرف على حفظ المومياء، أن ظروف الحفظ الحالية مستقرة جدا، مع وجود مراقبة ميكروبيولوجية دقيقة تضمن عدم تعرض "أوتزي" لأي ضرر. لكنها تشير إلى الحاجة لمزيد من البحث وجهود الحفظ الكاملة لضمان بقائه لأجيال عديدة قادمة.
ويتفق معها خبير الحفظ ماركو ساماديلي، مشيرا إلى أن الظروف التي يتم فيها حفظ المومياوات الجليدية لم تفهم بالكامل بعد، وهذه الدراسة توسع معرفتنا في هذا المجال.
وإلى جانب الأهمية الكبيرة لهذه النتائج في تحسين أساليب حفظ المومياوات، فإنها تفتح آفاقا جديدة في مجال التطبيقات الصناعية. فالكائنات الدقيقة المتكيفة مع البرد، مثل هذه الخمائر، يمكن استخدامها في عمليات صناعية موفرة للطاقة، كالتخمير في درجات حرارة منخفضة. وبهذا، لا يربطنا "أوتزي" بالماضي وحسب، بل قد يحمل في جسده مفاتيح لتقنيات المستقبل أيضا.
المصدر: نيوز ساينتست