ولم يكن أحد يظن أن هذه الرحلة القصيرة، التي لم تتجاوز أياما معدودة، ستعيد كتابة تاريخ القمر من أوله.
وهبطت المركبة برفق على سطح "بحر الأزمات"، ذلك الحوض الأسطوري المتّقد بالغموض، وبدأت مهمتها الأكثر جرأة عندما حفرت نفقا بعمق متر ونصف في باطن القمر، لاستخراج 170 غراما من ترابه العتيق.
فقد كانت الرحلات السابقة تخدش السطح فقط، أما هي فأرادت أن تلمس النبض العميق، وأن تصل إلى حيث تختبئ أسرار الزمن الأول.
ثم عادت الكبسولة كالنجمة الهابطة، تشق غلافنا الجوي بلهيب يليق بعظمتها، لترسو على الأرض حاملة هديتها الثمينة. وعندما فتح العلماء تلك العلبة الصغيرة، لم يجدوا مجرد تربة قمرية باردة، بل وجدوا دليلا يدق ناقوسا في قلوبهم: بصمة ماء خفية كانت ترقد هناك منذ ملايين السنين، تحت غبار القمر الجاف.
ثلاثة عشر يوما فقط... لكنها كانت كافية لتهز عرش علم الكواكب، وتجعل البشرية تنظر إلى قمرها بعين مختلفة؛ عين ترى فيه بحارا مخفية ووعودا لم تُكتشف بعد.
ونحن اليوم، وبعد خمسين عاما على تلك اللحظة الخالدة، نرفع أعيننا نحو ذلك القرص الفضي، ونتخيل كيف كان سيكون شكله لو امتلأت محيطاته، وتبللت وجنتاه بماء يتلألأ تحت الشمس... يا له من قمر، يليق بحلم ما زال يطرق أبواب الخيال!
المصدر: تاس