وبعد أكثر من ثلاثين عاما، يقول فريق من العلماء إنهم وجدوا أخيراً هذه المعادلة.
ففي عام 1993، اكتشف الفيزيائي ماثيو تشوبتيك أن الثقوب السوداء قد تنشأ تلقائيا من ظاهرة تسمى "الانهيار الحرج". وفي هذه الظاهرة، يتخذ نسيج الزمكان (وهو مزيج الزمان والمكان) شكلا منظما يتكرر مثل البلورات. لكن العلماء ظلوا لعقود عاجزين عن وصف هذه الظاهرة بلغة رياضية دقيقة.
والآن، أعلن فريق من الفيزيائيين النظريين أنه وجد أخيرا الصيغة الرياضية المطلوبة، ونشروا نتائجهم في مجلة Physical Review Letters العلمية.
وهذه الدراسة نظرية بحتة وتعتمد على رياضيات معقدة، وما زالت تحتاج إلى تجارب عملية لتأكيدها. لكنها مع ذلك تقدم لعلماء الفلك طريقة جديدة لفهم كيف يمكن أن تولد الثقوب السوداء، خاصة في بداية الكون.
ويقول فلوريان إيكر، المؤلف المشارك والفيزيائي النظري من جامعة فيينا للتكنولوجيا، إنه يمكن تحسين هذه الصيغ بشكل منهجي باستخدام طرق تقريب إضافية اعتمادا على الدقة المطلوبة، مضيفا أن هذا يمنح العلماء طريقة جديدة لدراسة ظواهر مرتبطة بالثقوب السوداء لم يكن من الممكن تحليلها سابقا. وتعتمد هذه النتائج على نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين التي تنص على أن الجاذبية ليست قوة، بل هي انحناء في نسيج الزمكان.
فالأجسام الضخمة مثل الشمس تسبب انحناء كبيرا، لكن الأجسام الصغيرة تسبب انحناء بسيطا جدا. وهنا يكمن السر: ففي الفيزياء، أحيانا تغييرات صغيرة جدا تؤدي إلى نتائج كبيرة. فمثلا، انخفاض درجة الحرارة بمقدار بسيط يحول الماء السائل إلى جليد صلب، كما يوضح كريستيان إيكر، المؤلف الأول للدراسة.
وبالنسبة للزمكان، تحدث ظاهرة مشابهة. فتحت ظروف معينة، يمكن لانحناءات صغيرة أن تجعل نسيج الزمكان يعيد تنظيم نفسه في نمط متكرر يشبه البلورات. وهذه الحالة تسمى "بلورة الزمكان"، وهي حالة وسيطة غير مستقرة. ويعتقد العلماء أن هذه البلورات كانت موجودة بعد الانفجار الكبير مباشرة.
ماذا يحدث لهذه البلورة؟
أمامها احتمالان: الأول أن تذوب وتختفي، الثاني أن تؤدي قطرة صغيرة جدا من الطاقة إلى انهيارها وتحولها إلى ثقب أسود. وهذا مختلف تماما عن القصة التقليدية للثقوب السوداء، التي اعتدنا على أنها تنشأ من انفجارات هائلة مثل موت النجوم.
ما الجديد الذي قدمه الفريق؟
ابتكر العلماء معادلة رياضية تصف بدقة كيف يحدث هذا الانهيار، باستخدام نهج متعدد الأبعاد. وهذه المعادلة تمنح العلماء "تحكما تحليليا منظما" لظاهرة ظلت عصية على الفهم الرياضي لعقود.
لكن الأمر ما يزال نظريا بحتا. وتتمثل الخطوة التالية في محاولة ترجمة هذه المعادلات إلى أبعاد أقل تشبه كوننا الذي نعيش فيه. ثم سيحتاج الفيزيائيون الفلكيون إلى اختبار هذه الفرضية عمليا.
وإذا تم تأكيد هذه النظرية تجريبيا، فسيعني ذلك أن الثقوب السوداء لا تولد فقط من الانفجارات العنيفة، بل يمكن أن تنشأ أيضا من ظروف هادئة و"طبيعية" في الكون المبكر. وهذا من شأنه أن يغير فهمنا بشكل جذري لكيفية تشكل الثقوب السوداء، وهو ما سيكون إنجازا هائلا لعلم الفلك.
المصدر: Gizmodo