وهبط المسباران "فايكينغ 1" و"فايكينغ 2" على سطح المريخ عام 1976، وكانا يحملان ثلاث تجارب للكشف عن الحياة، والتي أسفرت عن نتائج إيجابية.
وكانت الأدلة تشير إلى وجود عمليات أيض ونشاط بيولوجي محتمل في التربة الصدئة للكوكب الأحمر. لكن الفرحة لم تكتمل، فقد قدم جهاز رابع متطور - مطياف الكتلة الغازي (GC-MS) - قراءات محيرة بدت وكأنها تنفي وجود أي مواد عضوية، وهي اللبنات الأساسية التي لا يمكن للحياة الاستغناء عنها. وهذا التناقض الصارخ دفع جيرالد سوفين، العالم المسؤول عن مشروع "فايكينغ"، إلى الاستنتاج بأنه "لا أجسام، ولا حياة".
والآن، وبعد خمسة عقود، يكشف فريق علمي بقيادة البروفيسور ستيف بنر، أستاذ الكيمياء في مؤسسة التطور الجزيئي التطبيقي في فلوريدا، عن أدلة جديدة تثبت أن الجهاز الذي اعتقدوا أنه "فشل" كان في الواقع ينجح بمهمته، لكن العلماء فسروا بياناته بشكل خاطئ.
وقال بنر لموقع Space.com: "أظهر مطياف الكتلة الغازي غياب الجزيئات العضوية، أو على الأقل هذا كان تفسير فريق فايكينغ. المشكلة أننا نعرف الآن أنه وجد بالفعل جزيئات عضوية".
لكن قصة "فايكينغ" لم تنته عند ذلك الإعلان القاطع. فطوال الخمسين عاما الماضية، بقي لغز تلك النتائج المتعارضة يؤرق العلماء. كيف لثلاث تجارب أن تشير بقوة إلى الحياة، بينما تجربة رابعة تنفيها تماما؟. واليوم، يقف فريق من العلماء على رأسهم البروفيسور بنر ليعلنوا أن الحقيقة كانت أمام أعيننا طوال الوقت، لكننا كنا ننظر إليها من الزاوية الخاطئة.
ويكمن لسر كله في مادة غريبة اكتشفها مسبار "فينيكس" عام 2008: البيركلورات. وهذه المادة الكيميائية المنتشرة في تربة المريخ تمتلك خاصية عجيبة، عندما تتعرض المواد العضوية للتسخين بوجودها، فإنها لا تتحرر كما هي، بل تتحلل إلى مزيج من ثاني أكسيد الكربون وكميات ضئيلة من كلوريد الميثيل. والمذهل أن هذا بالضبط هو ما سجله جهاز فايكينغ قبل نصف قرن.
فقد كان الجهاز يرى الدليل لكن العيون البشرية فسرته على أنه مجرد تلوث من مواد التنظيف المستخدمة في مختبرات الأرض.
وهذا الكشف يغير كل شيء. فإذا كانت المواد العضوية موجودة حقا في تربة المريخ - كما تشير الأدلة الجديدة - فإن ذلك يزيل العقبة الكبرى التي اعترضت نتائج التجارب الثلاث الإيجابية. بل ويطرح سؤالا جريئا: ماذا لو كنا قد اكتشفنا الحياة على كوكب آخر قبل خمسين عاما وفشلنا في إدراك ذلك؟.
وقد بدأ العلماء بالفعل في تخيل الشكل الذي قد تكون عليه هذه الحياة المريخي، حيث يتصورون ميكروبات ذكية تتبع إيقاعا مختلفا للحياة، ربما تعتمد على التمثيل الضوئي في النهار، وتخزن الأكسجين الذي تنتجه لاستخدامه في فترات السبات الليلي، في دورة حياة متكاملة تتكيف مع ظروف الكوكب القاسية.
المصدر: سبيس