وعبر منصة المنتدى الاقتصادي الدولي السابع عشر "روسيا – العالم الإسلامي: قازان 2026"، برزت المشاركة العراقية كإحدى أهم المحطات التي استقطبت اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية، من خلال طرح مشاريع نوعية تعتمد على "الدبلوماسية البلدية والشعبية" كجسر لربط الحاضر بالمستقبل.
المشاركة العراقية الرفيعة، التي تقدمها رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي، ورئيس البيت الروسي في العراق ألق علي محمد البرغش، لم تقتصر على البعد السياسي أو الاقتصادي، بل غاصت عميقاً في الجذور التاريخية المشتركة التي تجمع بلاد الرافدين بمنطقة الفولغا وجمهورية تتارستان.
- النجف الأشرف والبصرة.. على خارطة "التوأمة" الدولية
في إطار جلسة موسعة ناقشت "الأدوات الجديدة للحضور الإنساني في دول العالم الإسلامي"، والتي نظمتها الوكالة الفيدرالية الروسية «روس سوترودنيتشيستفو»، كشف رئيس البيت الروسي في العراق، ألق البرغش، عن حراك دبلوماسي وثقافي مكثف يجري العمل عليه حالياً.
وأعلن ألق البرغش عن مشروع لإقامة علاقات توأمة بين مدينة النجف الأشرف المقدسة ومدينة بولغار التاريخية في تتارستان، مستنداً إلى الإرث الروحي والتاريخي المشترك المتمثل في اعتناق الإسلام في منطقة الفولغا.
وفي خطوة موازية حظيت بتأييد واسع، تقدم البرغش بمقترح رسمي إلى عمدة مدينة قازان، إلسور ميتشين، لدراسة إقامة توأمة مماثلة مع مدينة البصرة، العاصمة الاقتصادية للعراق، وتوجيه دعوة لمحافظها للتباحث بخصوص التوأمة، بهدف ترجمة التفاهمات إلى واقع تنموي واستثماري ملموس.
وفي سياق متصل، سلط ألق البرغش الضوء على القوة الناعمة التي يمتلكها العراق في علاقاته مع موسكو، مشيراً إلى وجود أكثر من 200 ألف خريج عراقي من الجامعات السوفيتية والروسية، من بينهم قادة وصناع قرار وأعضاء حاليون في البرلمان. ونقل لغة الشارع العراقي وتطلعه لتعزيز هذا التعاون متسائلاً: "لماذا تأخرتم كثيراً في المجيء وافتتاح البيت الروسي؟"، في إشارة إلى الشغف العراقي بمد جسور التواصل المعرفي.
- "على خطى ابن فضلان".. رحلة من القرن العاشر تُهندس المستقبل
أحد أبرز المشاريع التي سرقت الأضواء في أروقة المنتدى واحتفت بها وسائل الإعلام الروسية، كان المشروع الثقافي التاريخي الطموح الذي أطلقه البيت الروسي في العراق تحت عنوان "على خطى ابن فضلان".
المشروع يهدف إلى إعادة محاكاة الرحلة الدبلوماسية الشهيرة التي قام بها الرحالة والمؤرخ العربي أحمد بن فضلان في القرن العاشر الميلادي. ووفقاً للمخطط، ستنطلق بعثة ثقافية بالحافلة من العاصمة بغداد متوجهة إلى تتارستان، مروراً بخمس دول هي: إيران، تركمانستان، أوزبكستان، وكازاخستان.
ولا تتوقف البعثة عند حدود المحاكاة التاريخية، بل ستتضمن تنظيم مؤتمرات فكرية، ومعارض فنية، وندوات معرفية في المحطات الرئيسية على طول الطريق. ووصف ألق البرغش هذا المشروع بقوله: "إنها ليست مجرد رحلة إلى الماضي، بل هي مسير واثق نحو بناء مستقبل ثقافي وحضاري مشترك بين العالم العربي وروسيا".
- من الحوكمة إلى الدبلوماسية الشعبية.. نقاشات معمقة
ولم تغب الرؤية الإدارية والاقتصادية عن الحضور العراقي؛ إذ شارك رئيس الوزراء الأسبق، عادل عبد المهدي، كمتحدث رئيسي في جلسة تخصصية رفيعة المستوى تحت عنوان "دور سياسات مكافحة الفساد في تطوير الإدارة الحكومية والاقتصاد".
وناقش عبد المهدي، إلى جانب نخبة من الخبراء الدوليين والمسؤولين الروس، آليات تعزيز الشفافية والحوكمة الرشيدة، مستعرضاً إياها كركائز أساسية لا غنى عنها لتحقيق التنمية المستدامة، وخلق بيئة استثمارية جاذبة ومستقرة.
كما شهدت أروقة المنتدى مائدة مستديرة أدارها بافيل شيفتسوف، نائب رئيس وكالة "روس سوترودنيتشيستفو"، وبمشاركة ممثلين عن وزارة الخارجية الروسية، ومجلس الدوما، وبلدية موسكو، وقازان، وحضور متميز لـ البيت الروسي في العراق ممثلاً لجهود الدبلوماسية الشعبية العراقية، إلى جانب مديري البيوت الروسية في دول عربية وإفريقية (كعُمان، وليبيا، ومالي، والنيجر). وركزت النقاشات على صياغة "نماذج عمل عملية" تتيح للمراكز الثقافية والبيوت الشريكة أن تلعب دوراً محورياً في تفعيل الدبلوماسية الشعبية وتحويل الاتفاقيات النظرية إلى مشاريع تنموية تخدم الشعوب.
المصدر: RT