"مجلس السلام" والحل العادل والشامل طويل الأمد للقضية الفلسطينية
لا شك أن مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتشكيل "مجلس السلام" المعني بغزة تلقى اهتماما بالغا من جميع الأوساط الرسمية على المستوى الدولي.
الولايات المتحدة وغرينلاند وسباق القطب الشمالي
كما أنه لا شك، ومن حيث المبدأ، أنها بادرة جيدة نرجو أن تكون فعالة وعاجلة في ظل الظروف المأساوية التي يعيشها اليوم شعبنا الفلسطيني.
وبينما وافقت مصر والإمارات و25 دولة أخرى على المبادرة التي وجه ترامب دعوة بشأنها إلى 60 دولة، وفقا لما أعلنه مبعوث الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف، أعلن ترامب مساء أمس، في تعليقات أدلى بها للصحفيين على هامش مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي بسويسرا، عن موافقة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
من جانبه قال الرئيس بوتين، خلال اجتماع مع مجلس الأمن الروسي يوم أمس الأربعاء، إنه أصدر توجيهاته لوزارة الخارجية الروسية لدراسة الوثائق التي تلقتها موسكو والتشاور مع الشركاء الاستراتيجيين بشأن هذه القضية، و"حينها فقط سنتمكن من الرد على الدعوة الموجهة".
وأعرب بوتين عن استعداد روسيا لدعم "مجلس السلام" بمليار دولار من الأصول الروسية المجمدة لدى الغرب، مؤكدا على طبيعة العلاقات الخاصة التي تربط روسيا بالشعب الفلسطيني. ويأتي ذلك متزامنا مع زيارة رسمية يقوم بها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى موسكو اليوم الخميس.
وأكد بوتين كذلك على أن عملية السلام في غزة يجب أن تسهم في حل شامل وعادل وطويل الأمد للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فيما يجب مراعاة الاحتياجات الأساسية للفلسطينيين بما في ذلك إعادة إعمار غزة.
والموقف الروسي بهذا الشأن واضح ومبدئي وراسخ لا يتبدل أو يتغير، حيث تضع روسيا أولوية التوصل لحل عادل وشامل وطويل الأمد للقضية الفلسطينية، بما يشمله ذلك من تنفيذ جميع قرارات الشرعية الدولية، وإنهاء الاحتلال، ووقف الاستيطان، وضمان حق الشعب الفلسطيني في التمتع بدولته الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
على الجانب الآخر، ومع كامل الاحترام لجهود السيد ترامب، وهي جهود مشكورة محمودة، إلا أن هذه الجهود، و"مبادرة السلام" من جانبه تأتي على خلفية ضمه القدس الشرقية إلى إسرائيل بقرار أحادي الجانب، ونقله السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بالجولان أراض إسرائيلية، خلال ولايته الأولى!
أقول إن بإمكان ترامب إيجاد حلول فورية حتى من خلال اللجنة التي شكلها، والتي يستطيع المضي قدما بتنفيذها، ضغطا على حليفته إسرائيل، وإنهاء مآسي سكان قطاع غزة بدون حتى تدويل القضية، تماما كما فعل في قراراته أثناء ولايته الأولى، كـ "أكبر صديق لإسرائيل" على حد تعبير نتنياهو.

ترامب ومصير الأمة الأمريكية
تقول التسريبات التي نشرتها وسائل الإعلام بشأن نسخة من ميثاق "مجلس السلام" إنه "هيئة دولية يترأسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معنية بإعادة إعمار قطاع غزة وتعزيز السلام الدائم في مناطق النزاع".
بمعنى أن المجلس يعنى بـ "قطاع غزة" تحديدا، لا بالضفة وأوضاع الضفة مثلا. لكنه، وفي الوقت نفسه، معني بقضايا "تعزيز السلام في مناطق النزاع".. أي وكل المناطق وأي وكل النزاعات حول العالم، بما في ذلك وضع الضفة الغربية والقدس الشرقية، واليمن، والسودان، وليبيا، ونيجيريا وأوكرانيا مثلا. تقول الوثيقة، والعهدة على الراوي، أي نزاع وكل نزاع. صيغة مبهمة عامة لا علاقة لها بالماضي ولا بالحاضر.
لا يدور الحديث في ميثاق تأسيس "مجلس السلام" العالمي بشأن غزة عن أرضية شاملة ونهائية للصراع العربي الإسرائيلي، ولا يدور الحديث مثلا عن تاريخ طويل من المفاوضات والمباحثات والاتفاقيات والمعاهدات والموائمات والخلافات والصراعات، لا حديث عن أي وثائق وأرشيفات خاصة بالرباعية الدولية لتسوية القضية الفلسطينية (روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة)، وكأن "مجلس السلام" جاء اليوم ليمحو الماضي ويؤسس لمستقبل لا علاقة له بتاريخ القضية، استنادا إلى صفقات وأعمال ورؤوس أموال ستتدفق إلى المنطقة، دون النظر لأي أبعاد تاريخية أو جغرافية أو ثقافية أو اجتماعية أو سياسية.
أظن، في رأيي المتواضع، أن روسيا لا يمكن أن توافق على الانضمام إلى مثل هذا المجلس، وستستمر في ممارسة مهامها كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة حتى يتم تنفيذ جميع قرارات الهيئة الأممية بشأن حقوق الشعب الفلسطيني. وأعتقد أيضا أن الصين ستتخذ موقفا مشابها، مع الإبقاء على دعم الرئيس ترامب وجهوده ومبادراته للسلام، التي لا يختلف اثنان على أهميتها وضرورتها وحيويتها في اللحظة الراهنة لإنهاء معاناة سكان قطاع غزة وهي المهمة الأساسية والهدف الرئيسي الذي أنشأ من أجله "مجلس السلام"، أليس كذلك؟
هل يتسبب دونالد ترامب في انهيار الإمبراطورية الأمريكية؟
روسيا والصين تدعمان بكل تأكيد، وهو ما يؤيده منطق الأشياء، مبادرة ترامب وجهوده للتوصل إلى "تسوية" في الشرق الأوسط، انطلاقا ربما من البدء في حل المشكلات الإنسانية العاجلة في القطاع، لا سيما مع موجة انخفاض درجات الحرارة في المنطقة، ونقص المعدات الطبية، وموارد الطاقة واستحالة الحياة في ظل منع وصول المساعدات بالشكل الكافي، والقصف الذي لا زال الجيش الإسرائيلي يمارسه يوميا في بعض المناطق. روسيا والصين بالتأكيد تدعمان "مجلس السلام" طالما كانت تستند أيضا، إلى جانب ما ذكرته الوثيقة من "استبدال النماذج التقليدية لبناء السلام بنماذج أكثر مرونة وفعالية"، إلى الشرعية الدولية وحق الشعوب في تقرير المصير. روسيا والصين تدعمان بالقطع آمال وأهداف "مجلس السلام" التي تتحدث عن "إعادة بناء الحكم الرشيد وسيادة القانون ونشر أفضل الممارسات الدولية في إدارة ما بعد النزاع وفقا للقانون الدولي وميثاقه التأسيسي"، طالما كانت تلك "القوانين" و"المواثيق" ستطبق على الجميع وعلى رأسهم إسرائيل والولايات المتحدة.
أعتقد أن الخارجية الروسية بعراقة تقاليدها الدبلوماسية الراسخة ستتمكن من إيجاد الصيغة الدبلوماسية الضرورية لـ "قبول" دعوة ترامب إلى "مجلس السلام".
الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
إقرأ المزيد
المتحدث باسم حماس: تدشين "مجلس السلام" إشارة إلى الاهتمام الدولي بترسيخ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة
قال المتحدث باسم حماس حازم قاسم إن الحركة تعتبر تدشين "مجلس السلام" إشارة إلى الاهتمام الدولي بترسيخ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
قادة الاتحاد الأوروبي يبحثون دعوة ترامب للانضمام إلى "مجلس السلام" في غزة
أعلنت المفوضية الأوروبية أن قادة الاتحاد الأوروبي سيبحثون خلال اجتماع المجلس الأوروبي غدا دعوة الولايات المتحدة للانضمام إلى "مجلس السلام" في غزة.
نتنياهو يعلن أنه سينضم لـ"مجلس السلام"
أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو أنه استجاب لدعوة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للانضمام إلى مجلس السلام الأعلى، الذي ستتألف عضويته من زعماء دول العالم..
ترامب: بوتين قبل دعوة الانضمام إلى "مجلس السلام"
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين قد قبل الدعوة الموجهة إليه للانضمام إلى "مجلس السلام" الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في غزة.
"بوليتيكو": الولايات المتحدة لم توجه دعوة للدنمارك للمشاركة في "مجلس السلام" حول غزة
أفادت صحيفة "بوليتيكو" الأوروبية نقلا عن دبلوماسي دنماركي بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يوجه دعوة إلى الدنمارك للمشاركة في "مجلس السلام" المعني بإدارة وإعادة إعمار قطاع غزة.
التعليقات