مباشر

ما أسباب جمود السياسة الفرنسية؟

تابعوا RT على
منذ أن ترشح الرئيس ماكرون للرئاسة أفصح عن انتقادات حادة لليمين واليسار على حد سواء، مما أدى لعدم الاستقرار السياسي. جولز دارمانين – The Guardian

اتهم المرشح الرئاسي إيمانويل ماكرون في بيانه الانتخابي عام 2016 الجهاز الفرنسي المتحجر، ومهّد لصعود مارين لوبان إلى السلطة. وكتب: "الطبقة السياسية والإعلام مجرد قطيع من السائرين في سبات عميق يرفضون رؤية ما ينتظرهم، لذا نرى الوجوه نفسها ونسمع الخطب نفسها". وتعهد بالتخلي عن القواعد القديمة وجمع "الإصلاحيين التقدميين الذين يؤمنون بأن مصير فرنسا هو اعتناق الحداثة".

ووصل الوجه الجديد لليبرالية المؤيدة للاتحاد الأوروبي إلى السلطة في العام التالي، واعداً بتغيير جذري لدخول فرنسا إلى القرن الحادي والعشرين. وبعد 8 سنوات، ومع غرق فرنسا في أزمة سياسية، وغياب أي سبيل واضح لكسر الجمود، تلاشت طموحات ماكرون النبيلة.

لقد أصبح فرانسوا بايرو، الذي دخل معترك السياسة قبل ولادة الرئيس، ثالث رئيس وزراء يستقيل في غضون عام. أما لوبان، فهي أقوى من أي وقت مضى، رغم مشاكلها القانونية. وعلى الساحة العالمية، يحاول ماكرون قيادة التحالف الغربي لحشد الدعم لأوكرانيا، لكن نفوذه سيتقلص دون ميزانية تدعم تعهداته (أو ما هو أسوأ، إذا دفعت فرنسا منطقة اليورو إلى أزمة ديون).

كيف وصلت فرنسا إلى هذا الوضع تحديداً؟

إن ادّعاء ماكرون بأنه المدافع الوحيد عن السياسة العقلانية قد عاد ليؤذيه، فقد كان بمثابة ثقب أسود شعبوي، يبتلع الأفكار والسياسيين والناخبين، يساراً ويميناً. والآن لا يثق به سوى 15% من الناخبين الفرنسيين. أما الـ 85% الآخرون، فليس أمامهم خيار سوى التوجه إلى المتطرفين.

مع حملته الانتخابية الأولى عام 2017 حطم ماكرون تيار يسار الوسط الفرنسي، واستقطب كبار الشخصيات الديمقراطية الاجتماعية والناخبين على حد سواء إلى حزب "إلى الأمام"، وهو حزب جديد يُقال إنه صُمم ليناسب اسمه، ووعد بكسر النمط السائد بأنه لا يسار ولا يمين. أما الحزب الاشتراكي المتعثر، الذي حمل هولاند وفرانسوا ميتران إلى قصر الإليزيه، فقد تُرك في عداد الأموات. وحظي مرشحه الرئاسي، بينوا هامون، المحاصر بين ماكرون وأجندة جان لوك ميلينشون اليسارية المتشددة، بحصوله على 6.36٪ فقط من أصوات الجولة الأولى.

وطوال فترة ولايته الأولى لجأ ماكرون إلى اليمين السائد لتوسيع ائتلافه. وكان إدوارد فيليب وجان كاستكس، رئيسا الوزراء في ولايته الأولى، من حزب الجمهوريين (LR)، الحزب المحافظ السائد في فرنسا. كما جاء وزير اقتصاده المخضرم، برونو لومير، من اليمين. وغادر المزيد والمزيد من "الجرذان" تلك السفينة الغارقة للانضمام إلى ماكرون الذي يميل إلى اليمين بشكل متزايد، وفي عام 2022، حصلت فاليري بيكريس، مرشحة حزب الجمهوريين للرئاسة، على نسبة 4.8% من الأصوات، وهي نسبة محرجة.

كانت الانتخابات المبكرة التي جرت العام الماضي آخر أعمال ماكرون المتعجرفة. فقد كان يأمل في توجيه صدمة للناخبين الفرنسيين بعد أن وضع الناخبون حزب التجمع الوطني (RN) بزعامة لوبان في المركز الأول في انتخابات البرلمان الأوروبي. لكن الإنذار انفجر في وجهه، تاركاً إياه أمام برلمان منقسم بثلاثة اتجاهات. على يساره، ائتلاف متردد بين حزب فرنسا الأبية بزعامة ميلينشون وأحزاب يسارية أكثر اعتدالاً. وعلى يمينه، حزب التجمع الوطني (RN) المتنامي باستمرار، وإن كان لا يزال بعيداً عن الأغلبية. وأمامه، خليط من الوسطيين والمحافظين المنهكين: وضع بائس للغاية.

وفي حين نجح ماكرون في استنزاف حيوية الأحزاب الفرنسية التقليدية، إلا أنه فشل في بناء حركة سياسية متماسكة في الوسط تتجاوز شخصيته. فقد انتشرت سياساته الشعبوية الشاملة في كل مكان حتى أصبحت مجرد ميم.

قد يختار ماكرون الاستقالة أو الدعوة إلى انتخابات جديدة لكنه استبعد كلا الخيارين. ومن المرجح أن يرشح عضواً آخر من معسكره كرئيس رابع للحكومة خلال 12 شهراً. ومع استمرار ولايته الثانية والأخيرة حتى عام 2027، يصعب تحديد من سيملأ الفراغ ويترشح لرئاسة الإليزيه كبديل فعال للوبان.

ويُمهّد ما لا يقل عن 12 سياسياً من المقربين من ماكرون، بمن فيهم رؤساء وزراء سابقون، من غابرييل أتال الميّال للحرب الثقافية إلى فيليب المهووس بإصلاح أنظمة التقاعد، والمثير للدهشة، بايرو نفسه، الطريق لترشحه للرئاسة في عام 2027. وقد يتحول كل هذا إلى مذبحة سياسية بشعة.

لقد أدى رفض ماكرون التعاون حتى مع أكثر اليسار اعتدالاً، رغم تصدر ائتلاف الجبهة الشعبية الجديدة الانتخابات المبكرة العام الماضي، إلى إضفاء المزيد من الحيوية على تصرفات ميلينشون العدائية، مما زاد من حدة الفوضى، وربما دفع المزيد من الناخبين إلى أحضان لوبان.

وصحيح أن النظام الرئاسي في فرنسا يعتمد على شخصية إلهية لإنقاذ البلاد كل 5 سنوات. وسأقتبس من ماكرون مرة أخرى: "يمكن للمرء أن يذهب إلى حد القول: فرنسا بلد الملوك القتلة". لكن الانقسام القديم بين اليسار واليمين، وأيديولوجياته الواضحة والمملة، سمحت للناس بالتصويت لمجموعة من الأفكار، بالإضافة إلى رئيس.

ورغم أن اليمين المتطرف كان يحرز تقدماً في ظل ماكرون ولكن بتصوير الأخير لنفسه كخط الدفاع الأخير والوحيد ضد اليمين المتطرف، عزز ماكرون سردية "نحن ضدهم" التي تتبناها لوبان. وبتحركه السريع وكسره للقواعد غير المكتوبة للسياسة الفرنسية، رسّخ عدم الاستقرار المزمن الذي تحتاجه هذه السياسة للازدهار. لقد لعب بالنار: والآن يحترق البيت.

المصدر: The Guardian

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا