الجماعة كبديل للدولة المصرية والميدان يقود المشهد رغم الأفخاخ الأمريكية

أخبار العالم العربي

الجماعة كبديل للدولة المصرية والميدان يقود المشهد رغم الأفخاخ الأمريكية
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/606547/

أسفر اتفاق جبهة الإنقاذ مع حزب النور السلفي لتفعيل مبادرة الأخير، اسفر عن فوضى في صفوف جماعة الإخوان المسلمين، وقيام الجبهة السلفية بالهجوم على الحزب وتحذيره من مغبة خطواته مع "العلمانيين الكفار" و"بلطجية تغيير الدستور".

أسفر اتفاق جبهة الإنقاذ مع حزب النور السلفي لتفعيل مبادرة الأخير، اسفر عن فوضى في صفوف جماعة الإخوان المسلمين، وقيام الجبهة السلفية بالهجوم على الحزب وتحذيره من مغبة خطواته مع "العلمانيين الكفار" و"بلطجية تغيير الدستور"، ما دفع بالرئيس محمد مرسي للانزلاق إلى فخ من الصعب الخروج منه إلا بطريقين فقط، الأول الخروج على الجماعة وخسارة الأهل والعشيرة وبقية التنظيمات الإسلامية المتطرفة. والثاني، هو الانقلاب على تصريحاته ووعوده للغرب والتمترس خلف الجماعة والتنظيمات المتطرفة بكل أطيافها. وسيعني ذلك سقوطه في الحالتين.

لقد صرح مرسي من ألمانيا بأنه لا يريد استخدام أي إجراءات استثنائية، وأن إعلان حالة الطوارئ في ثلاث محافظات جاء كإجراء مؤقت وضروري للحفاظ على أمن المواطنين. وعلى الرغم من أن ميركل والغرب يعرفون أن مرسي لا يقول الحقيقة بالضبط، إلا أنهم يغمضون عيونهم عن ذلك أملا في تحقيق مصالح وخطوات إلى الأمام في ملفات أخرى متعلقة بالمنطقة، ومرتبطة في الوقت نفسه باستقرار ولو هش ومؤقت في مصر.

وإذا كان مرسي قد أكد في لقائه مع ميركل على أن "مصر ستكون دولة مدنية، لا عسكرية ولا دينية"، مشيرا إلى أن الحوار مع كل فئات المجتمع المصري سيكون ممكنا، فإن ما يجري في الداخل المصري يشير إلى عكس ذلك تماما. ويبدو أن هذا الأمر تحديدا هو ما دفع ميركل إلى التشديد على ضرورة احترام الحكومة المصرية لحقوق الإنسان وإجراء محادثات بين جميع القوى السياسية في مصر، وشددت أيضا على أهمية أن "تمارس الحرية الدينية".

في واقع الأمر، رفضت ميركل طلبات اقتصادية كان مرسي يعول عليها، ومن بينها جدولة أو تخفيض الديون. كما لم يصدر أي شيء بخصوص عروضه، أو بالأحرى إغراءاته للاستثمارات الألمانية في مصر. وكل ما خرج به مرسي من لقاء ميركل هو درس في الديمقراطية وكيفية إدارة الدولة. ما يشير بكل الشواهد إلى أنه على الرئيس المصري أن يقوم لا بتعديل الدستور، بل بوضع دستور جديد يراعي ما نصحته به ميركل. وهو أيضا ما يتوافق مع مطالب جبهة الإنقاذ بشأن تعديل الدستور وتشكيل حكومة إنقاذ وطني موسعة.

ولكن لأن محمد البرادعي سياسي ومفاوض جيد، فقد استقرأ السياق الدولي وتوقع تصريحات مرسي في ألمانيا، مدركا أن الإخوان يعتمدون خطابين مختلفين تماما للداخل والخارج. ولأن البرادعي يعرف أيضا أن الغرب لا ينخدع بسهولة، ولكنه ينخدع عندما يكون الخداع ونتائجه في صالحه ولمصالحه.. فقد دعا إلى عقد اجتماع فوري يجمع الرئيس المصري محمد مرسي وحزب "الحرية والعدالة" الإخواني الحاكم ووزيري الدفاع والداخلية وجبهة الانقاذ والتيار السلفي من أجل بدء "حوار جاد" ووقف العنف في البلاد. وشدد البرادعي على ان "وقف العنف هو الأولوية، وبدء حوار جاد يتطلب الالتزام بالشروط التي طرحتها جبهة الإنقاذ وفي مقدمتها حكومة إنقاذ وطني ولجنة لتعديل الدستور".

ولكن البرادعي يعرف جيدا أن الرئاسة المصرية أعلنت وأكدت استبعادها إمكانية تشكيل حكومة إنقاذ وطني، معللة ذلك بضيق الوقت، وأن تشكيل مثل هذه الحكومة يتطلب وقتا طويلا لا يتوفر حاليا. ويعلم أيضا أن الجماعة الإسلامية ترفض كل أشكال الحوار، بما في ذلك مبادرة حزب النور السلفي، بل وهناك تيارات داخل جماعة الإخوان أكثر تطرفا من الجماعة الإسلامية ترفض وتقصي وترغب بالاستئثار بكل شيء من أجل مصالح مالية واقتصادية صرفة.

هكذا وقع محمد مرسي في الفخ. لا يهم كيف خدع الغرب الذي يريد أن ينخدع أصلا. ولا يهم أن مرسي يعتمد خطابا ثالثا داخل الجماعة، ورابعا مع الجماعات المتطرفة التي تدعمه. المهم الآن هو المشهد السياسي لتيارات اليمين الإسلامي المتطرف، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين. وقد نتوقع قريبا ردا من زعيم القاعدة أيمن الظواهري على خطوات مرسي.

من الواضح أن الخطوات السياسية لجبهة الإنقاذ صحيحة وتقرأ المواقف الداخلية والإقليمية والدولية بشكل معقول نسبيا. ولا شك أن الإخوان يقرأون أيضا المواقف الدولية ولديهم دعم غير محدود إقليميا ودوليا. كل ذلك منح الشارع السياسي والميدان فرصة تاريخية الآن، إذ أن الكتلة الأهم هنا أصبحت الشعب المصري والمسيرات والتظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات المتواصلة. ويمكن أن نكرر هنا كلمة "المتواصلة" من أجل الضغط على كل الأطراف، بما في ذلك جبهة الإنقاذ. فجبهة الإنقاذ تمثل تحالف لكل طرف فيه مصالح محددة. وبالتالي فالشعب وشبابه وثواره لهم أيضا مصالح محددة وبيدهم تحديدا الأوراق الرابحة. والميدان في هذه اللحظات، بعد مناورات مرسي في ألمانيا وتصريحات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة المطاطة، يدرك أن التخلي عن مصالحه ومكاسبه جريمة تاريخية لا تغتفر. هذا تحديدا ما سيشعل المشهد السياسي في الأيام المقبلة ويدفع إلى رفع سقف المطالب واستمرار الثورة. ويبدو أن طلب البرادعي إدخال الجيش والشرطة طرفا في المفاوضات يهدف بالدرجة الأولى لمنع استخدام حملات عنف متوقعة ضد المظاهرات والاحتجاجات التي لن تهدأ إلا بإسقاط مرسي وإزاحة حكم الإخوان، وهو ما لا تريد الولايات المتحدة إدراكه. وفي حال وقوعه فلن يبقى أمام واشنطن إلا التعامل مع الأمر الواقع وإعادة النظر في وضع المنطقة، وبالأخص سورية وإيران، أو هدم المعبد على رؤوس الجميع وتحويل المنطقة إلى أفغانستان كبيرة.

قد يكون الرئيس مرسي كسب بعض الوقت لتمكين الجماعة. وسيكسب وقتا إضافيا خلال فترة المفاوضات مع جبهة الإنقاذ وحزب النور. هذا إذا سمح له المرشد العام محمد بديع ونائبه رجل الأعمال خيرت الشاطر وبقية أعضاء مكتب الإرشاد. ولكن جبهة الإنقاذ ستربح أكثر بالتزامها بمسار الشارع والميدان. وهي في كل الأحوال تلقى مصداقية كبيرة في الداخل والخارج، ولكن الظروف الإقليمية والدولية، وملفات إيران وسورية والصراع مع روسيا على ملفات الطاقة ومناطق النفوذ، لا تسمح الآن بالتعامل معها كطرف يمكنه إدارة دولة مثل مصر.

كان من المقرر أن يصل مرسى إلى باريس لكن الزيارة ألغيت بسبب خلافات واضحة تتعلق بمكافحة الإرهاب في مالي وعدم رضاء الحكومة الفرنسية عن الموقف المصري المعارض لعملياتها هناك، وتوتر العلاقات مع فرنسا بسبب تصريحات الرئاسة في مصر والتي أعلنت تأييدها للجماعات الإسلامية في مالي.

من المعروف أن ألمانيا تقود المجموعة الاقتصادية، وتمتلك الإمكانية على تمويل بعض دول أوروبا المتعثرة. وبالتالي، تصور مرسي أن تقديم بعض الإغراءات إليها قد يدفع إلى شكل من أشكال التفاهم الذي يمكنه من إنقاذ نفسه أمام المصريين بعد الوعود بأنهار اللبن والعسل. لقد تعامل مرسي وفق الخريطة الكلاسيكية: ألمانيا لديها الكثير لتقدمه لمصر مثل العلم والتكنولوجيا والاقتصاد المستقر، ومصر لديها الكثير لتقدمه إلى ألمانيا مثل توفير موقعًا للاستثمار. وبالطبع ستكون ألمانيا مطالبة بدعم توجهات الإخوان المسلمين في مصر ومساندتهم في المحافل الدولية. ولكن يبدو أن الرئيس مرسي لا يهتم كثيرا لا بالتاريخ ولا بتوجهات الدول، ولا حتى بمنظومة قيمها. فحكومة ميركل أعلنت عقب تنحى مبارك أن انحيازها إلى جانب قيم الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وخصوصا حرية الرأى وحرية الصحافة وحرية التظاهر، وهي تحديدا الأمور التي قضى عليها نظام الإخوان في مصر.

من الواضح إذن، أن مرسي فشل في إقناع ميركل بجملة الإجراءات الشكلية التي أعلن عنها قبيل زيارته الخاطفة لألمانيا، وهي تراجعه عن قرارات فرض الطوارئ وحظر التجول على مدن القناة وتفويض المحافظين فى إلغاء أو تخفيف الإجراءات. ما قد يعطي انطباعا بأن مرسي ليس ضد حقوق الإنسان وحريات التظاهر والتعبير.

من الواضح أيضا أن وزارة الخارجية المصرية في أسوأ أوضاعها على مر التاريخ. فعملية أخونة العلاقات الخارجية تجري الآن وباطراد وتسارع على يد وزير الخارجية الفعلي في مصر وهو عصام الحداد الذي يدير العلاقات الخارجية المصرية تحت غطاء عمله كمساعد للرئيس المصري للعلاقات الخارجية. ويبدو أن الحداد يدشن كل إمكانياته في اتجاه طرح وتقديم الإخوان كجماعة سياسية بديلة للدولة، ولديها إمكانيات للتفاهم والتوقيع على كل شيء باسم الدولة.

إن مخطط جماعة الإخوان المسلمين، التى تحكم مصر فعليا من خلال مندوب في قصر الاتحادية، لأخونة العلاقات الخارجية المصرية وإحلال الجماعة بدلا من الدولة فى المحافل الدولية، يكشف عن المساعي الجبارة لنصب شبكة من المصالح والعلاقات بين أعضاء مكتب الإرشاد ورجال الأعمال التابعين لجماعة الإخوان مع الحكومات الأجنبية ودوائر المال والأعمال ليقدموا أنفسهم كبدائل لا للنظام الحاكم فقط، بل للدولة نفسها.

د. أشرف الصباغ

المواضيع المنشورة في "منتدى روسيا اليوم" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم"

المزيد من مقالات أشرف الصباغ على مدونة روسيا اليوم