اصطدام "قطار عسكري" بـ "قطار بضائع متوقف" في المشهد السياسي المصري

أخبار العالم العربي

اصطدام
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/605066/

لا يمكن للجيش المصري الآن أن يقف أمام خطط واشنطن التي تقوم بدعمه ماليا وعسكريا. وبالتالي من المستبعد تماما تدخل الجيش لإبعاد الإخوان عن الحكم وإفساد نقطة الارتكاز الأساسية التي يخطط الأمريكيون لاستخدامها، بعد ترتيب البيت السوري، ضد إيران أو ضمن مخططات اخرى للمنطقة. الاحتمال الوحيد هو وقوع انقلاب داخل الجيش المصري نفسه ضد القيادات الحالية والإمساك بزمام الأمور، الأمر الذي قد يخلط كل الأوراق وينبئ بسيناريوهات أكثر تعقيدا

بعد حوالي 8 أسابيع من حادث تصادم قطار أسيوط بحافلة ركاب ومقتل 50 تلميذا في نوفمبر 2012، اصطدم "قطار حربي" ينقل عددا ضخما من مجندي قوات الأمن المركزي بـ "قطار بضائع" متوقف، ليسفر الحادث مبدئيا عن مقتل أكثر من 20 مجندا وإصابة 120 آخرين. وحسب المؤسسات الرسمية المصرية، فقد كان قطار البدرشين الحربي، يقل حوالي 1328 مجندا من قوات الأمن المركزي من مواليد عامي (1992 - 1993)، تقسموا على 12 عربة للقطار بمعدل 110 مجندين لكل عربة. وينتمي المجندون إلى محافظات أسيوط وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان، وكانوا قادمين من أسيوط باتجاه معسكر الأمن المركزي بالقاهرة لأداء الخدمة العسكرية.

الحادث، وفقا للجهات الأمنية المختصة وقع بنتيجة تصادم قطار حربي للركاب كان يقل مجندين، مع قطار للبضائع عند مزلقان للسكك الحديدية في الحوامدية جنوب محافظة الجيزة، ما تسبب في خروج عربتين من القطار الحربي عن القضبان وانقلابهما. وأوضح مسؤول أمني مصري أن القطار الحربي كان متجها من أسيوط (جنوبي مصر) إلى القاهرة ويحمل مجندين، وانفصلت منه عربتان قبل أن تخرجا عن القضبان وتصطدما بقطار البضائع الذي كان متوقفا، وتنقلبا وتتهشم أجزاء بهما. 

هكذا وقع الحادث، وأصبحت أعداد القتلى والمصابين مجرد "إحصائيات وأرقام"، بالضبط مثل حادث أطفال أسيوط. غير أن الحادث وقع قبل ساعات من بدء بت المحكمة الدستورية العليا في مصير مجلس الشورى الذي نقل إليه الرئيس المصري مسؤولية التشريع إلى حين انتخاب البرلمان. وكذلك قبل البت في مصير الجمعية التأسيسية التي وضعت الدستور الذي جرى عليه الاستفتاء وأقره رئيس الدولة. الحادث وقع أيضا قبل الذكرى الثانية لثورة 25 يناير وعلى خلفية الاستعدادات التي تجريها قوى المعارضة المصرية لمواصلة الاحتجاجات والاعتصامات. ووقع في نفس اليوم الذي أعلن فيه الاتحاد الأوروبي عن مفاوضاته مع الحكومة المصرية لإقراضها 5 مليارات دولار واستعداده لإرسال مراقبين للإشراف على الانتخابات البرلمانية التي لم يتحدد موعد إجرائها بعد بسبب تأخر مجلس الشوري في إرسال القرارات اللازمة لذلط إلى الجهات المختصة. 

ملابسات كثيرة دعت العديد من وسائل الإعلام التابعة لجماعة الإخوان المسلمين تؤكد أن الحادث مدبر من "طرف ثالث"، بينما أكد البعض الآخر أن الحادث مدبر بين قناة "أون تي في" وبين جهات غير معروفة. والتأكيد الثاني بالذات جاء، لأن هذه القناة كانت هي الوحيدة التي تمكنت على وجه السرعة من نقل كل ما يجري على الهواء مباشرة، بينما كان التلفزيون المصري يبث بعض الأغاني الوطنية وأحد الأفلام الكوميدية لإسماعيل ياسين. 

يبدو المشهد السياسي والميداني في مصر عبثيا لأبعد الحدود. فقبل أيام هاجم "مجهولون" المعتصمين أمام قصر الاتحادية، ما أسفر عن إصابة 27 شخصا، بينهم عدد كبير من قوات الأمن التي تحرس القصرن واحتراق 4 خيمات للمعتصمين. وهو ما دفع بدوره المعتصمين في ميدان التحرير إلى إعادة إغلاق الميدان وتأمينه تحسبا لهجوم مماثل من "مجهولين". كل ذلك يجري قبل 25 يناير بعشرة أيام فقط! ولا يمكن استثناء نظرية المؤامرة في كل هذه الأحداث. غير أنه من جانب آخر يصعب أن ننظر إلى الوضع باطمئنان ونركن إلى أنها مجرد أحداث عابرة وطبيعية وتقع يوميا في أي دولة من دول العالم. وإذا كانت وسائل الإعلام التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، سواء كانت الحكومية أو الخاصة، تتحدث عن مؤامرة كبيرة لإفشال حكم الإخوان والرئيس الإخواني ومكتب الإرشاد وأن هناك توطؤ بين جبهة الإنقاذ والقوى الوطنية والثورية من جهة وبين الفلول وبقايا نظام مبارك من جهة أخرى، فإن بعض وسائل الإعلام الأخرى بدأت في تناول الأمر كجزء من المشهد السياسي المصري عموما، ووضعه في إطار سياسي – اقتصادي – اجتماعي للتأكيد على أن جماعة الإخوان المسلمين غير قادرة على حكم دولة بقدر مصر ولا بحجمها، وأن حكم الجماعة لا يمكن أن يتطابق لا مع المعايير السياسية والاقتصادية والاجتماعية العامة ولا مع المعايير الإنسانية بمعناها الواسع والعميق، وأن كل جهود مكتب الإرشاد والرئاسة والجماعة تنصب على عملية تمكين واسعة النطاق لإحكام قبضة ليس فقط الجماعة في مصر، بل إحكام قبضة التنظيم الدولي على مصر ضمن دول أخرى مثل السودان وتونس وليبيا وسورية واليمن والعراق. 

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه منذ تولي الرئيس محمد مرسي، القيادي في الجماعة وعضو مكتب الإرشاد، وقيامه بالإطاحة بالحرس القديم في القوات المسلحة وتفكيك المجلس العسكري أو تحويله إلى مجرد هيئة شكلية، بدأ يطرح بشكل مغاير تماما على خلفية الأحداث المتوالية. لقد بدأ الكثيرون يدعون إلى تدخل الجيش لإنقاذ مصر من أيدي الإخوان وإخراجها من السيناريو الأمريكي المتحرك المرسوم للمنطقة، وإبعادها عن مواجهات وتكتلات وأحلاف إقليمية موجهة إلى دول أخرى كجزء من إعادة رسم وهيكلة المنطقة على المقاس الأمريكي – الأوروأطلسي. ويبدو أن هذا الأمر تحديدا دفع جماعة الإخوان المسلمين إلى إعادة محاكمة الرئيس المصري السابق حسني مبارك كورقة للمساومة مع بقايا نظامه ورجال أعماله وللضغط عليهم في آن واحد من جهةن ومساومة جبهة الإنقاذ وبقية قوى المعارضة من جهة أخرى. كل ذلك لا من أجل فتح حوار وطني، بل من أجل إقرار الأمر الواقع والتأكيد على أن كل الطرق تؤدي إلى مكتب الإرشاد والرئاسة وجماعة الإخوان المسلمين. 

لقد بدأ الكثيرون في مصر يدعون على استحياء إلى تدخل الجيش بأقصى سرعة ممكنة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإبعاد الإخوزان عن الحكم وتشكيل مجلس رئاسي مدني من أجل إعادة مصر إلى مسارها التاريخي، ومن ثم تحقيق مطالب الثورة التي ترتكز على "الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية" ووضع دستور مواطنة وإطلاق الحريات العامة والخاصة. واعتبر البعض أن اصطدام "قطار حربي" مع "قطار متوقف لنقل البضائع" حادثة لها دلالاتها في المشهد السياسي والميداني المصري بعد أن توقفت مصر عمليا مثل قطار البضائع تماما، وأصبحت تعيش على المعونات القطرية، والمعونات المحتملة من الاتحاد الأوروبي والقروض المأمولة من صندوق النقد الدولي، بينما فتحت مساجد القاهرة ومؤسساتها الدينية والثقافية أبوابها للدعاة السعوديين السلفيين والوهابيين، ورجال الدين التابعين مباشرة لأنظمة الحكم في بعض دول الخليج، وعلى رأسها قطر. 

إن حلم تدخل الجيش في المشهد السياسي المصري أصبح يراود قطاعا ضخما من المصريين، لكنهم يشترطون على استحياء أيضا أن يعود الجيش إلى ثكناته بمجرد الانتخاء من مهمته وتسليم السلطة لمجلس رئاسي مدني. وهو الأمر الذي لا يتفق أبدا مع مسار الأمور ووضع الجيش وطموحاته الاقتصادية والسياسية التي عاش عليها ما يقرب من 50 عاما. الأمر الاخر والأهم، هو أن الجيش المصري بعد ابتعاده عن القوى الوطنية وتبنيه موقفا يتسق مع مصالحه ومشاريعه الاقتصادية لم يسلم السلطة للإخوان المسلمين طواعية، بل تحت ضغوط خارجية تدخل في إطار السياق الدولي العام واعترافه بعدم قدرته على أداء دور في بناء دولة حديثة. والمعروف أن الجيش المصري يتلقى معونات مالية وعسكرية أمريكية تشكل العمود الفقري لخزينته. هذا إضافة إلى مشاريعه الاقتصادية الداخلية التي يبدو أن طواغيت المال التابعين لجماعة الإخوان المسلمين انقضوا عليها أو على بعضها وانتزعوها منه. 

خلاصة القول، لا يمكن للجيش المصري الآن أن يقف أمام خطط واشنطن التي تقوم بدعمه ماليا وعسكريا. وبالتالي من المستبعد تماما تدخل الجيش لإبعاد الإخوان عن الحكم وإفساد نقطة الارتكاز الأساسية التي يخطط الأمريكيون لاستخدامها، بعد ترتيب البيت السوري، ضد إيران أو ضمن مخططات اخرى للمنطقة. الاحتمال الوحيد هو وقوع انقلاب داخل الجيش المصري نفسه ضد القيادات الحالية والإمساك بزمام الأمور، الأمر الذي قد يخلط كل الأوراق وينبئ بسيناريوهات أكثر تعقيدا، ولا يتماشى أيضا مع السياقين الدولي والإقليمي. ولكن لا يمكن لأحد أن يحدد أو يتنبأ بموعد وقوع أي انقلاب!!! كل ما هنالك أن "قطارا عسكريا" اصطدم بـ"قطار متوقف لنقل البضائع"!!!

د. أشرف الصباغ

المواضيع المنشورة في منتدى روسيا اليوم لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم"

المزيد من مقالات أشرف الصباغ على مدونة روسيا اليوم

الأزمة اليمنية