يُمثل تاريخ "حزب الله" مسارا متواصلا من التحولات الأيديولوجية والعسكرية والسياسية، حيث تحول من حركة تنظيمية مسلحة نشأت في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، إلى رقم محوري في المعادلة اللبنانية والإقليمية.
النشأة في الثمانينيات: السياق الإقليمي والتأسيس
ظهر التنظيم في بدايات ثمانينيات القرن الماضي في خضم الحرب الأهلية اللبنانية وتحديدا عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. ساهمت حالة التهميش التاريخي للشيعة في لبنان، إلى جانب النجاح الأيديولوجي للثورة الإسلامية في إيران عام 1979، في صياغة الهوية الأولى للحزب.
وأعلن الحزب رسميا عن وجوده وأهدافه في "الرسالة المفتوحة" عام 1985، والتي تضمنت الالتزام بمرجعية الولي الفقيه في إيران ومواجهة الوجود الإسرائيلي والأمريكي في لبنان.
التسعينيات: الانخراط السياسي والانسحاب الإسرائيلي عام 2000
شهدت التسعينيات تحولا بنيويا تمثل في قرارات الحزب بالانخراط في النظام السياسي اللبناني عقب اتفاق الطائف، وشاركت كتله النيابية في الانتخابات البرلمانية عام 1992.
بالتوازي مع ذلك، طور الجناح العسكري ("المقاومة الإسلامية") استراتيجية حرب العصابات ضد القوات الإسرائيلية و"جيش لبنان الجنوبي" في الشريط الحدودي، وهي المواجهات التي توجت بانسحاب الجيش الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية في مايو 2000.
مرحلة ما بعد 2000: ترسيخ النفوذ السياسي
بعد عام 2000، ثار جدل محلي ودولي حول مصير سلاح الحزب، حيث اعتبر الحزب أن السلاح ضروري لترهيب إسرائيل واستعادة باقي الأراضي المحتلة (مزارع شبعا وتلال كفرشوبا)، بينما دعت أطراف لبنانية وقرارات دولية (مثل القرار 1559 لعام 2004) إلى حصر السلاح بيد الدولة. وانتقل الحزب من الاكتفاء بالتمثيل البرلماني إلى المشاركة المباشرة في الحكومات اللبنانية المتعاقبة ابتداءً من عام 2005.
حرب يوليو 2006: التداعيات العسكرية والسياسية
اندلعت الحرب في صيف 2006 عقب عملية عبر الحدود نفذها الحزب وأسفرت عن أسر جنديين إسرائيليين وقتل آخرين بهدف تبادلهم مع أسرى لبنانيين. أدت الحرب التي استمرت 33 يوما إلى دمار واسع في البنية التحتية اللبنانية وسقوط نحو 1200 ضحية في لبنان، مقابل خسائر بشرية واقتصادية في الجانب الإسرائيلي. انتهت المعارك بالقرار الأممي 1701، ورغم الخسائر، اعتبر الحزب النتيجة "نصرا إلهيا" لعدم تحقق الهدف الإسرائيلي المعلن بالقضاء عليه، بينما اتهمته قوى محلية بتوريط البلاد في حرب غير محسوبة.
بعد 2006: توازنات الداخل وعلاقات "محور المقاومة"
تزايد ثقل الحزب في المعادلة الداخلية اللبنانية، وهو ما ظهر جليا في مواجهات مايو 2008 العسكرية في بيروت وجبل لبنان عقب قرارات حكومية تمس شبكة اتصالاته.
إقليميا، تعمقت أواصر التحالف بين الحزب وكل من إيران وسوريا ضمن ما يُعرف بـ "محور المقاومة"، حيث تلقى الحزب دعما ماليا وعسكريا وتدريبيا من طهران، في حين صنفته دول غربية وخليجية (أو جناحه العسكري) كمنظمة إرهابية، بينما تراه أطراف أخرى حركة مقاومة مشروعة.
الحرب في سوريا منذ 2011: الامتداد الإقليمي
مع اندلاع الأزمة السورية، تدخل الحزب عسكريا بشكل مباشر لصالح نظام الرئيس بشار الأسد. برر الحزب تدخله بحماية العتبات المقدسة والقرى اللبنانية الحدودية ومنع سقوط سوريا بيد الجماعات المسلحة، بينما اتهمته معارضة سوريا وقوى دولية بالمشاركة في قمع الشعب السوري وتعزيز النفوذ الإيراني.
أسفرت الموقعة السورية عن اكتساب مقاتلي الحزب خبرات عسكرية في الحروب النظامية وتوسيع نطاق انتشارهم الإقليمي.
لبنان بعد 2019: الأزمة الاقتصادية والشارع اللبناني
مع اندلاع الأزمة الاقتصادية الحادة وتظاهرات أكتوبر 2019، وجد الحزب نفسه في موقع المدافع عن المنظومة السياسية القائمة. تصاعدت الانقسامات حول نفوذه وسلاحه، وزادت حدة الاتهامات الموجهة إليه، في حين تمسك الحزب بحلفائه وسعى للتخفيف من أثر الأزمة على قاعدته الشعبية عبر مؤسساته الاجتماعية والتكافلية.
حرب غزة والتصعيد الحدودي (2023 - 2024)
عقب إطلاق حركة حماس لعملية "طوفان الأقصى" في أكتوبر 2023، فتح حزب الله جبهة إسناد في جنوب لبنان لدعم الفصائل الفلسطينية ولإشغال الجيش الإسرائيلي. أدى هذا التصعيد المستمر إلى مواجهات صاروخية وجوية يومية، وأسفر عن نزوح عشرات الآلاف على جانبي الحدود اللبنانية الإسرائيلية وتدمير واسع في البلدات الحدودية اللبنانية.
التطورات الحادة والمفصلية (2024 - 2026)
شهدت الفترة بين عامي 2024 و2026 تحولات هي الأعمق في تاريخ الحزب البنيوي والعسكري، إذ تعرضت قيادته العليا لضربات استخباراتية وعسكرية غير مسبوقة من قبل إسرائيل، شملت اغتيال أمينه العام التاريخي حسن نصر الله ومجموعة من كبار القادة العسكريين والسياسيين، إضافة إلى استهداف بنيته التحتية وشبكات اتصالاته، ومن بين ذلك عملية معقدة تمثلت بتفخيخ آلاف أجهزة "البيجر" التي يستخدمها عناصره وتفجيرها.
أجبرت هذه الضربات المتتالية الحزب على إعادة ترتيب هيكليته القيادية والعسكرية وسط ضغوط سياسية وميدانية مكثفة وإعادة تعريف لدوره في ظل التوازنات الجديدة، واستلم نعيم قاسم أمانته العامة.
موقع حزب الله والتحديات الماثلة
يقف حزب الله أمام مشهد معقد، فعلى الصعيد العسكري والسياسي، لا يزال يحتفظ بقاعدة شعبية وتمثيل نيابي، إلا أنه يواجه تحديات غير مسبوقة ترتبط باستعادة بنيته التنظيمية والقيادية، والتعامل مع الخسائر المادية والبشرية، فضلا عن تصاعد المطالبات المحلية والدولية بتطبيق القرارات الدولية وتفعيل دور الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية.
تظهر مراجعة المسار التاريخي لحزب الله من الثمانينيات وحتى اليوم تحوله من تنظيم محلي ذي أيديولوجيا عقائدية حادة ومحدودة جغرافيا، إلى فاعل سياسي وعسكري معقد ومؤثر إقليميا.
وفي ظل المتغيرات المتسارعة والأحداث العاصفة التي شهدتها السنوات الأخيرة، يواجه الحزب اليوم اختبارا استثنائيا يتعلق بقدرته على التكيف مع التوازنات السياسية والعسكرية الجديدة داخل لبنان وفي الإقليم.
المصدر: RT