وقال الهنقاري في لقاء مع برنامج "نيوزميكر" إن حجم التجارة الخارجية الليبية يتراوح بين 20 و22 مليار دولار سنوياً، بينما تبلغ قيمة التجارة مع الصين نحو 4.5 مليار دولار، مشيراً إلى أن الصين تحتل المرتبة الأولى بين الدول الموردة للسوق الليبية، تليها تركيا.
وأوضح أن الصادرات الليبية لا تزال محدودة مقارنة بحجم التجارة الخارجية، إذ سجلت رسمياً نحو 75 مليون دينار خلال ثلاثة أشهر، فيما تقدر الهيئة القيمة الحقيقية للصادرات بنحو 350 إلى 400 مليون دينار، بسبب إشكاليات مرتبطة بالجمارك والتحويلات المالية وآليات تسجيل العمليات التجارية.
وفي الاتجاه الروسي، أشار الهنقاري إلى أن روسيا تمثل مصدراً رئيسياً للغذاء في ليبيا، خصوصاً القمح والشعير والدقيق، لافتاً إلى أن ليبيا استوردت نحو 1.6 مليون طن من الحبوب الروسية خلال العام الماضي.
في المقابل، أكد أن الصادرات الليبية إلى روسيا لا تزال ضعيفة رغم وجود طلب على عدد من المنتجات المحلية، بينها التمور والزيتون والأسماك والمنتجات الغذائية، معتبراً أن تطوير هذا المسار يحتاج إلى آليات تجارية أكثر فاعلية.
وكشف الهنقاري أن غياب ممثل تجاري روسي في ليبيا يمثل إحدى العقبات أمام تنشيط العلاقات الاقتصادية، موضحاً أن الممثل التجاري الروسي موجود حالياً في تونس، فيما تعمل هيئة تنمية الصادرات الليبية على فتح خط تجاري مباشر مع روسيا، بهدف تسهيل وصول المنتجات الليبية إلى السوق الروسية.
وأشار إلى أن التجارة بين ليبيا وروسيا تراجعت بنحو 15% خلال عام 2025، نتيجة عوامل مرتبطة بأوضاع البحر الأسود، إلا أن العلاقات التجارية بين البلدين لا تزال مستمرة، خصوصاً في قطاع الحبوب، الذي وصفه بالاستراتيجي بالنسبة للأمن الغذائي الليبي.
ولفت إلى وجود تحديات أخرى أمام التجارة مع روسيا، بينها العقوبات والحصار المفروض على موسكو، إضافة إلى دور الوسطاء في عمليات التجارة، مؤكداً أن السوق الروسية تحتاج إلى دراسة متخصصة لتحديد المنتجات الأكثر قدرة على المنافسة، وعلى رأسها الزيوت والتمور والأسماك.
أما على الجانب الصيني، فأوضح الهنقاري أن الصادرات الليبية إلى الصين لا تزال محدودة جداً مقارنة بحجم الواردات، مرجعاً ذلك جزئياً إلى ارتفاع تكاليف الشحن نتيجة بُعد المسافة، لكنه اعتبر أن السوق الصينية تمثل فرصة كبيرة أمام المنتجات الليبية.
وأشار إلى أن الصين ألغت الضريبة على بعض المنتجات الليبية، ما يوفر فرصة لتعزيز نفاذها إلى السوق الصينية، موضحاً أن الهيئة تستعد للمشاركة في معرض قوانغتشو للتعريف بالمنتجات الليبية ودراسة احتياجات المستهلك الصيني تمهيداً لزيادة الصادرات.
وفي المقابل، أكد الهنقاري أن المنتج الصيني يهيمن على قطاعات واسعة من السوق الليبية، تشمل الإلكترونيات والسيارات وقطع الغيار ومواد البناء والأثاث والملابس والمصانع والمعدات، معتبراً أن حجم الواردات من الصين يكشف عن إمكانات كبيرة يمكن تحويلها إلى شراكات واستثمارات وصادرات متبادلة.
وأوضح أن بكين لا تنظر إلى ليبيا كسوق استهلاكية فقط، بل باعتبارها بوابة محتملة لترويج المنتجات الصينية في أفريقيا، خصوصاً في الدول الحبيسة مثل تشاد والنيجر، مشيراً إلى إمكانية تحويل ميناء مصراتة والمنطقة الحرة إلى منصة لتوزيع المنتجات الصينية نحو الأسواق الأفريقية.
ولفت إلى أن هناك بالفعل شراكات صينية ليبية قائمة، بينها مصنع للسيراميك يصدر منتجاته إلى روسيا وإيطاليا ودول أخرى، معتبراً أن مثل هذه المشاريع تمثل نموذجاً يمكن البناء عليه لتطوير التصنيع المحلي وربطه بالأسواق الخارجية.
وأكد الهنقاري أن آليات التحويلات المالية لا تزال من أبرز العقبات أمام توسع التجارة مع الصين، في ظل اعتماد مصرف ليبيا المركزي بدرجة كبيرة على الاعتمادات المستندية، موضحاً أن الانتقال إلى التحويلات المباشرة يمكن أن يسرع عمليات التجارة ويخفض تكاليف الاستيراد، خصوصاً للتجار وأصحاب الأعمال الصغيرة.
وأشار إلى أن التعامل التجاري مع الصين يتم حالياً بالدولار وليس باليوان، موضحاً أن الانتقال إلى العملة الصينية قد يخلق تعقيدات مرتبطة بالعلاقات مع الولايات المتحدة، فيما رأى أن الانضمام إلى مجموعة "بريكس" يمكن أن يوفر لليبيا فرصاً أكبر في التجارة وتبادل العملات، لكنه شدد على أن الدخول في صراعات دولية إضافية لا يناسب ليبيا في المرحلة الحالية.
وفي ما يتعلق بالأسواق الأوروبية، أكد الهنقاري أن دخول المنتجات الليبية إليها أكثر صعوبة بسبب تشدد معايير الجودة والتتبع والتعبئة وسلامة الغذاء، مشيراً إلى أن بعض المنتجات الليبية تدخل أوروبا عبر دول الجوار وتباع باعتبارها منتجات الغير، ما يحرم ليبيا من جزء كبير من القيمة المضافة.
وأوضح أن خسارة ليبيا من القيمة السوقية لبعض المنتجات قد تصل إلى نحو 70% عندما تخرج خاماً أو شبه خام، بينما يمكن تقليص هذه الخسارة إلى نحو 20–35% في بعض الأسواق الشرقية من خلال التصنيع ورفع القيمة المضافة قبل التصدير.
وحذر الهنقاري من أن استمرار اعتماد ليبيا على النفط يمثل خطراً استراتيجياً، في ظل تسارع الاستثمار العالمي في مصادر الطاقة البديلة واحتمال تراجع الاعتماد على النفط مستقبلاً، داعياً إلى تنويع مصادر الدخل والاستثمار في القطاعات الزراعية والبحرية والجيولوجية والصناعات التحويلية.
وأشار إلى أن ليبيا تمتلك نحو ألفي كيلومتر من الساحل، ومع ذلك لا تزال تستورد الأسماك، معتبراً أن ذلك يعكس ضعف استغلال الثروة البحرية، مؤكداً وجود مشاريع قيد التطوير في مجال الاستزراع السمكي.
كما لفت إلى عمل الهيئة على دعم الصناعات التحويلية للتمور، بما يشمل إنتاج الخل والكحول الطبي والقهوة ومنتجات أخرى من التمور وجريد النخيل، إضافة إلى مشاريع في الصناعات المعدنية والزراعية، والبحث عن محاصيل قادرة على تحمل الظروف الصحراوية وتوفير بدائل اقتصادية جديدة.
وشدد الهنقاري على أن الهدف لا يقتصر على زيادة أرقام الصادرات، بل يتمثل في تغيير طبيعة الاقتصاد الليبي، عبر الانتقال من اقتصاد يعتمد على النفط والاستيراد إلى اقتصاد ينتج ويصنّع ويصدّر، مع توجه أكبر نحو روسيا والصين والأسواق الآسيوية والإفريقية.
وأكد أن تنويع الأسواق والمنتجات، ورفع القيمة المضافة للسلع الليبية، وتطوير الصناعات التحويلية، وفتح قنوات تجارية مباشرة، تمثل ركائز أساسية لبناء اقتصاد ليبي أكثر قدرة على المنافسة وأقل ارتهاناً لعائدات النفط.
المصدر: RT