وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إن الرئيس التركي وصل إلى القاهرة الأربعاء في زيارة رسمية تأتي بعد يوم من زيارة قام بها إلى الرياض، في مؤشر على تحسن ملحوظ في علاقات أنقرة مع العاصمتين العربيتين، في وقت تتراجع فيه احتمالات التطبيع بين إسرائيل والسعودية وتشهد العلاقات الإسرائيلية-المصرية توتراً ملحوظاً.
ونقلت الصحيفة عن الدكتورة غاليا لينداشتراوس، الباحثة البارزة في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، قولها إن تركيا عملت في السنوات الأخيرة على تحسين علاقاتها مع دول المنطقة في عملية بدأت منذ عام 2021، لكن العلاقات مع مصر كانت الأصعب بسبب الخلافات السياسية السابقة.
وأشارت لينداشتراوس إلى أن تركيا أصبحت مصدراً مهماً للصناعات الدفاعية، خاصة الطائرات المسيرة، حيث لا تقتصر مشتريات السعودية على الاستيراد فحسب، بل تمتد إلى التعاون في التصنيع المشترك، مشيرة إلى أن هذا ينسجم مع رغبة دول المنطقة في تنويع مصادر التسليح وعدم الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة.
وأضافت أن ملف غزة يشكل عنصراً محورياً في التقارب المصري-التركي، إذ تعتبر مصر القطاع تهديداً لأمنها القومي وتخشى تدفق آلاف الفلسطينيين إليها، ولذلك تسعى للوصول إلى حل مستقر، مشيرة إلى أن التدريبات العسكرية المشتركة التي جرت بين مصر وتركيا في سبتمبر الماضي لأول مرة منذ 13 عاماً تؤكد هذا التحول.
وخلصت الصحيفة إلى أن إسرائيل ينبغي أن تتعامل مع هذا التقارب الإقليمي كمعطى جيوسياسي جديد، خاصة مع تراجع احتمالات التطبيع مع الرياض، وسعي الدول العربية للبحث عن شركاء إقليميين لتعزيز أمنها، وهو ما قد يؤثر على ديناميكيات التحالفات التقليدية في المنطقة.
وفي السياق نفسه، وصفت منصة "ماكور راشون" الإخبارية الإسرائيلية التقارب التركي-المصري-السعودي بأنه "محور جديد"، بعد توقيع تركيا ومصر اتفاقيات أمنية ودفاعية.
وقالت قناة i24NEWS الإسرائيلية إن زيارة أردوغان إلى القاهرة جاءت عقب زيارته إلى السعودية التي شهدت صدور بيان سعودي-تركي مشترك تضمّن توافقات اقتصادية موسعة ومواقف سياسية متقاربة حيال قضايا إقليمية عدة، بينها الأوضاع الإنسانية في غزة والتطورات في السودان وسوريا.
وأضافت أن هذه التحركات تأتي في ظل تقارب متزايد بين تركيا وعدد من دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة، بعد فترة من التوتر، في وقت تشير فيه التفاهمات الجديدة إلى إعادة رسم ملامح التعاون الإقليمي في الشرق الأوسط.
وعلق الخبير في شؤون الأمن القومي المصري محمد مخلوف على وجود ترقب وقلق كبيرين لدى إسرائيل إزاء التقارب المصري-التركي، لامتلاك القوتين الإقليميتين تأثيرا كبيرا في الشرق الأوسط.
وأشار مخلوف في تصريحات لـRT إلى أن هذا التقارب، بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، يشكّل حائط صد أمام مخططات الفوضى التي تسعى إليها تل أبيب في المنطقة، كما يعرقل خططها لإعادة صياغة خرائط التوازنات الإقليمية وتوسعاتها المخالفة للقانون الدولي.
ولفت إلى أن القلق الإسرائيلي يتزايد من إعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية، التي تمثل تحدياً للمصالح الإسرائيلية في ملفات حساسة مثل الملفين الفلسطيني والسوري، وملفات الأمن البحري وموارد الطاقة والتنسيق الاستراتيجي مع الأطراف العربية والإسلامية الفاعلة.
وأوضح أن التنسيق في شأن غزة والملف الفلسطيني بالتعاون مع واشنطن والرياض، وتطوير التعاون في ليبيا والسودان وإثيوبيا والصومال بالتنسيق مع قطر، كل ذلك يثير الذعر لدى الجانب الإسرائيلي.
وأكد مخلوف أن التقارب التركي-المصري أصبح أكثر من مجرد تحرك دبلوماسي، فهو محاولة لبناء محور إقليمي قادر على مواجهة التحديات المشتركة وحماية المصالح الحيوية للبلدين، وفتح أفق أوسع للتعاون العربي-الإسلامي بعيداً عن الضغوط الإسرائيلية.
وأوضح أن هذا التقارب يشكّل بداية نواة لشراكة استراتيجية طويلة المدى تعيد رسم التوازنات الإقليمية وتُحدّ من قدرة إسرائيل على فرض مشاريعها وأطروحاتها منفردة في المنطقة، وأن إعادة بناء محور إقليمي جديد قائم على التعاون التركي-المصري يمنح الدول العربية والإسلامية القدرة على صياغة مصيرها بعيداً عن الإملاءات الخارجية، ويخلق أرضية لإدارة الأزمات الإقليمية بشكل مشترك ومستدام.
كما أشار مخلوف إلى أن مصر وتركيا يضطلعان حالياً بدور الوسيط الفاعل بين طهران وواشنطن، إذ تتلاقى رغبة البلدين في تنسيق الجهود المشتركة لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية شاملة، والعمل على التوصل لحلول تنهي حالة التأزم. وينطلق هذا التنسيق من رؤية استراتيجية مفادها أن استقرار إيران كدولة مركزية يُعد ضرورة للحفاظ على موازين القوى في المنطقة، وأن أي سيناريو يستهدف إضعافها سيؤدي بالضرورة إلى خلل في التوازنات لصالح إسرائيل.
وأكد محمد مخلوف أن الزيارة الحالية للرئيس التركي إلى القاهرة تمثل تتويجاً لمسار طويل من الاتصالات والتهدئة الدبلوماسية، بعد سنوات من التوتر السياسي. مشيراً إلى أن القيادتين في البلدين انتقلتا من مرحلة الخلافات الأيديولوجية إلى مرحلة الحسابات الاستراتيجية البحتة، فطبيعة التحديات الإقليمية الحالية فرضت منطق المصالح المشتركة بدلاً من الاستقطاب، إذ أدركت الدولتان أن استمرار القطيعة لا يخدم استقرار المنطقة، بل يفتح المجال لقوى أخرى لملء الفراغ، وهو ما دفع الطرفين إلى إعادة بناء الثقة تدريجياً وصولاً إلى قمة القاهرة والاتفاق على رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 15 مليار دولار.
واختتم مخلوف تصريحاته بالإشارة إلى معلومات تفيد بوجود حالة من القلق والتوتر في صفوف جماعة الإخوان الإرهابية، حيث عقد عدد من قيادات التنظيم الدولي اجتماعات وأجروا اتصالات عبروا خلالها عن مخاوفهم من هذا التقارب، خاصة في ظل وجود تعاون بين مصر وتركيا وفقاً للبيان المشترك لمكافحة الإرهاب، ما قد يفتح الباب لتسليم عناصر الجماعة الهاربة في إسطنبول والمدانة بأحكام قضائية في أعمال عنف ومطلوبة لدى القاهرة. وأشار إلى أن أحد هذه العناصر تواصل مع مسؤولين بالسلطات التركية لإبداء قلقه من التقارب، فجرى توجيه اللوم له وطُلب منه عدم التدخل فيما تقرره السلطات التركية في سياستها الخارجية.
المصدر: RT + يديعوت أحرونوت + i24NEWS + ماكور راشون