مباشر

زاوية الأبشات بالزاوية – منارة بن شعيب لتحفيظ القرآن: تاريخ معماري وروحي في ليبيا

تابعوا RT على
في مدينة الزاوية غرب ليبيا، تقف زاوية الأبشات – منارة بن شعيب لتحفيظ القرآن كرمز حي لتاريخ التعليم الديني والروحانية الوطنية.

وتختلف هذه الزاوية عن غيرها من الزوايا التقليدية في ليبيا، فمؤسسها محمد بن علي الشعيب لم يُدفن داخلها كما هو معتاد، بل يقع قبره عند المدخل الجنوبي. ويعود هذا الاختلاف إلى طبيعة شخصية الشعيب ، الذي لم يكن فقيها أو حافظا للقرآن، بل كان تاجرا تولّى رئاسة موكب الحج ضمن ولاية طرابلس العثمانية، وهو ما يميز الزاوية عن بقية الزوايا التي يرتبط تأسيسها دائما بفقهاء أو شيوخ.

تتداول الروايات الشفوية حول تأسيس الزاوية عدة قصص، منها ما يتعلق بحلم المؤسس الذي فسر برسم الزاوية وحفر بئر في المنطقة الجنوبية، ومنها ما يرتبط بمساهمة أشخاص من خارج المدينة، بما فيها قوافل الحجاج المغاربة.

يرى الباحث في تاريخ ليبيا الحديث والمعاصر، علي الهازل في حديث مع RT ، أن هذه القصص تظل جزءا من الذاكرة الشعبية ولا تقلل من أهميتها الرمزية أو التاريخية.

تتبع الزاوية النمط المعماري الإسلامي التقليدي؛ صحن محاط بالغرف يتجمع في وسطه الطلاب حول الشيخ أو المعلم.

بدأت الزاوية بغرض تحفيظ القرآن الكريم، ثم توسعت لتشمل تعليم اللغة العربية والإملاء، إضافة إلى الفقه المالكي.

كما كانت الزاوية تتبع الطريقة العروسية الصوفية، التي أسسها محمد الفاسي من المغرب، وركزت على مدح النبي ﷺ والتحفيظ على روايتي ورش وقالون عن نافع. واستقطبت الزاوية طلبة من مختلف مناطق ليبيا، مثل زليتن والخمس وطرابلس، وأحيانًا من دول إفريقية مجاورة، ما جعلها مركزًا علميًا مفتوحًا وواسع التأثير.

على الصعيد الوطني والجهادي، لعبت الزاوية دورا مهما خلال فترة الاحتلال الإيطالي. فقد اجتمع فيها الشيخ عبد الرحمن العروسي مع أفراد قبائل الزاوية والمناطق المحيطة قبل مواجهة القوات الإيطالية التي احتلت جزيرة فروة وقطعت خطوط الإمداد القادمة من تونس، فانطلقت من هناك سلسلة من المعارك أبرزها سيدي سعيد، سيدي علي، وسيدي عبد الصمد، بالإضافة إلى حوالي ثماني عشرة معركة لاحقة في منطقة العجيلات.

كما خطب فيها الشيخ سليمان الباروني، عضو مجلس المبعوثين ومجلس الأعيان العثماني، وحث على مواصلة الجهاد ضد الاحتلال، ما منح الزاوية مكانة وطنية وروحية بارزة.

وفي الوقت نفسه، كانت الزاوية ملتقى لمشايخ القبائل، تعزز التواصل الاجتماعي وتساعد في حل النزاعات عند الحاجة.

تمثل الزاوية أيضا رصيدا وثائقيًا، إذ يوجد ملف خاص بها في المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية يضم نحو 18–19 وثيقة.

وخلال احتفال إعادة افتتاح المنارة في إحدى سنوات حكم العقيد الراحل معمر القذافي، قدمت عائلة بن شعيب مخطوطًا كبير الحجم، لم يُعرف على وجه الدقة ما إذا كان مصحفًا قرآنياً أو وثيقة تاريخية، لكنه دليل على وجود إرث مادي وتاريخي مرتبط بالزاوية.

وقد تلقى في الزاوية تعليمه أيضًا الشيخ الطاهر الزاوي، مفتي ليبيا وأحد كبار العلماء في العالم الإسلامي.

تظل زاوية الأبشات – منارة بن شعيب شاهدة على قرنين من التعليم، الروحانية، النشاط الاجتماعي والمقاومة الوطنية، وموطنًا للتاريخ الحي في قلب مدينة الزاوية، حاملة إرثًا دينيًا ومعماريًا ووطنيًا لا يزال حاضرًا في ذاكرة المدينة وسكانها.

المصدر: RT  

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا