البدايات: من لوزان إلى "الباشا الأحمر" (1922–1938)
انطلقت العلاقات رسمياً في أعقاب الحرب الأهلية الروسية، حين أبدت موسكو رغبتها في مد جسور مع دول شبه الجزيرة العربية.
وفي مؤتمر لوزان عام 1922، التقى غريغوري تشيتشيرين، وزير خارجية الاتحاد السوفيتي، بممثل الحجاز حبيب لطف الله، وتم الاتفاق على افتتاح قنصلية سوفيتية في جدة عام 1924.
تولى الدبلوماسي التتاري كريم حكيموف منصب أول قنصل سوفيتي، ثم سفير فوق العادة لدى مملكة نجد والحجاز (1926–1928)، ليصبح بذلك ممثلاً لدولة أجنبية تعترف رسمياً بالكيان السعودي قبل تأسيس المملكة رسمياً عام 1932.
اشتهر حكيموف بلقب "الباشا الأحمر" لدى العرب، بفضل اتقانه للغة العربية، ودراسته في مدرسة دينية، وبراعته في العزف على الكمان، ما أكسبه ثقة الملك عبد العزيز آل سعود الذي عده صديقاً شخصياً.
أسهم حكيموف في تنظيم تصدير السلع والمواد الغذائية السوفيتية إلى المملكة، واستقدام أطباء سوفيت لتقديم الرعاية الصحية. وصفه دبلوماسي سوفيتي لاحق بأنه "وضع الأساس لعلاقات الدولة السوفيتية الفتية مع العالم العربي"، بفضل معرفته العميقة بالتقاليد العربية وقدرته على كسب الود المحلي.
إلا أن موجة الاعتقالات الستالينية في ثلاثينيات القرن الماضي طالت حكيموف وخليفته نذير تورياكولوف، ما أثار استياء الملك عبد العزيز. وعند افتتاح السفارة السوفيتية في القاهرة عام 1943، أرسل الملك مستشاره البريطاني المسلم سانت جون فيلبي (المعروف باسم "الشيخ عبد الله") للاستفسار عن مصير السفيرين. وانقطعت العلاقات رسمياً عام 1938 مع إغلاق المكتب الدبلوماسي السوفيتي في جدة.
سنوات الجمود والمحاولات المتقطعة (1938–1990)
ظلت العلاقات مقطوعة لأكثر من خمسين عاماً، مع محاولات فردية لإعادة الوصل:
- عام 1962، زار الأمير فهد بن فيصل الفرحان (رئيس أمانة الرياض آنذاك) موسكو في رحلة استمرت 21 يوماً، لكنها لم تُثمر نتيجة التوترات الإقليمية والخلافات الأيديولوجية في ظل حكم خروشوف.
- عام 1982، زار الأمير سعود الفيصل موسكو ضمن "اللجنة السباعية" العربية لشرح مبادرة فاس للسلام، في مؤشر أول على تليين المواقف.
- عام 1987، التقى وزير النفط السعودي هشام ناظر برئيس الوزراء السوفيتي ووزير الخارجية، في لقاء رسمي عزز التفاهم الاقتصادي.
الاستئناف والانطلاقة الجديدة (1990–1991)
تصاعد التقارب مع غزو العراق للكويت عام 1990، حيث أجرى الأمير سعود الفيصل مشاورات مكثفة مع القيادة السوفيتية حول الموقف من الأزمة. وعقب انهيار الاتحاد السوفيتي، استؤنفت العلاقات الدبلوماسية رسمياً في ديسمبر/كانون الأول 1991، وعين عبد العزيز الخوجة أول سفير سعودي لدى موسكو في العهد الجديد.
بوتين وبن سلمان يضخان دماء جديدة في شرايين العلاقة بين روسيا والسعودية
مع تولي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحكم في روسيا مطلع العام 2000 شهد العلاقات الروسية السعودية نقلة نوعية تمثلت في تبادل الزيارات بين البلدين على أرفع المستويات.
- 2003: قاد ولي العهد الأمير عبد الله بن عبد العزيز وفداً سعودياً رفيع المستوى إلى موسكو، في أول زيارة رسمية بعد قيام روسيا الاتحادية.
- 2006: زار الأمير سلمان بن عبد العزيز (أمير الرياض آنذاك) الكرملين والتقى الرئيس بوتين لتعزيز العلاقات الثنائية.
- 2007: شهد العام زيارة تاريخية للرئيس فلاديمير بوتين إلى الرياض، الأولى لرئيس روسي، ناقش خلالها مع الملك عبد الله تطورات العراق وفلسطين والملف النووي الإيراني. وتبعها زيارة ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز لتعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري.
- 2015: قام ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بأول زيارة له إلى موسكو، في إطار جهود توطيد العلاقات الثنائية وبحث القضايا الإقليمية.
- 4 أكتوبر 2017: حققت العلاقات قفزة رمزية غير مسبوقة بزيارة الملك سلمان بن عبد العزيز إلى موسكو، وهي أول زيارة يقوم بها ملك سعودي إلى روسيا منذ إقامة العلاقات بين البلدين قبل مئة عام. وخلال الزيارة، وقّع الجانبان اتفاقيات في مجالات الطاقة والتقنية والدفاع، وبحثا الملفات الإقليمية الساخنة.
- نوفمبر 2017: عاد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى موسكو في زيارة ثانية ركزت على تعميق الشراكة في إطار "أوبك+" والتعاون التقني والاستثماري.
- 2018: أجرى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان زيارة ثالثة إلى العاصمة الروسية، حيث بحث مع الرئيس بوتين سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتنسيق المواقف إزاء الأزمات الإقليمية.
- 24 أكتوبر 2019: قام الرئيس فلاديمير بوتين بزيارة رسمية إلى الرياض، حيث عُقدت مباحثات مع الملك سلمان وولي العهد، ووقّع الجانبان اتفاقيات تعاون في مجالات الطاقة والصناعة العسكرية والتكنولوجيا، في زيارة عززت التقارب الاستراتيجي بين البلدين.
- 6 يناير 2023: قام الرئيس فلاديمير بوتين بزيارة رسمية أخرى إلى الرياض، حيث ناقش مع القيادة السعودية سبل تعزيز التعاون الثنائي في مجالات الطاقة والاقتصاد، إلى جانب التنسيق حول القضايا الإقليمية الراهنة، في مؤشر على استمرار الزخم في العلاقات بين البلدين رغم التحديات الجيوسياسية العالمية.
اليوم، ومع بلوغ العلاقات عامها المئة، تشهد العلاقات الروسية–السعودية تقارباً غير مسبوق، تتجسد في التنسيق داخل "أوبك+"، والتعاون في مجالات الطاقة والتقنية والاستثمار، لتتحول الذكرى المئوية إلى مناسبة لإحياء ذاكرة دبلوماسية معقدة، وتمهيد لمرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية بين العاصمتين.