وبدأت الظاهرة في مناطق خشم القربة وود الحليو وعدد من قرى البطانة، قبل أن تمتد إلى كسلا وسنار والجزيرة، ثم تصل إلى ولاية نهر النيل مصحوبة بنفوق للأسماك. ويشير هذا الانتشار المتسارع إلى خلل بيئي واسع، رغم تأكيد حكومتي كسلا والجزيرة أن الفحوصات المعملية أثبتت خلو الفئران النافقة من الأمراض، معتبرة ما حدث ظاهرة طبيعية.
لكن حجم النفوق وكثافته أثارا تساؤلات بين المواطنين، خاصة مع تداول فرضيات تربط الظاهرة باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب.
ورغم انتشار هذه المخاوف، لم تجد دعماً علمياً من المختصين الذين قدموا تفسيرات مختلفة تستند إلى عوامل بيئية وزراعية.
- عوامل طبيعية وتغيرات بيئية
يرى الخبير البيئي د. بشرى حامد أحمد بشير أن الظاهرة ليست جديدة، لكنها تفاقمت بفعل تغيّرات واسعة في البيئة السودانية.
ويشير إلى أن إزالة الغطاء النباتي والغابات خلال السنوات الماضية حرمت الفئران من مصادر الغذاء والمأوى، ما دفعها إلى الهجرة نحو مناطق أكثر ملاءمة، وهو ما أدى إلى زيادة أعدادها بشكل كبير.
ويضيف أن الحرب الحالية أسهمت في تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ومصادر الغذاء، ما جعل الفئران تتكاثر في مناطق محدودة ثم تواجه نقصاً حاداً في الغذاء، وهو ما يفسر النفوق الجماعي وفق ما يعرف علمياً بـ"توازن العشيرة"، حيث تموت الفئران الأكبر سناً أولاً، بينما تبقى الأصغر قدرة على المقاومة.
- استبعاد فرضية السلاح الكيميائي
يؤكد د. بشرى أن التحاليل الكيميائية للتربة والمياه والنباتات والحيوانات لم تُظهر أي مؤشرات على وجود مواد كيميائية مرتبطة بالعمليات العسكرية. ويشير إلى أن ظهور الظاهرة بعد فترة طويلة من توقف القتال في تلك المناطق يدعم هذا الاستبعاد.
ويضيف أن الفئران تمتلك جهازاً مناعياً قوياً يجعلها قادرة على تحمل مستويات عالية من السموم، مستشهداً بقدرتها على النجاة في مناطق شهدت تفجيرات نووية، ما يجعل فرضية "القتل الكيميائي" أقل احتمالاً وفق المعطيات المتاحة.
- التلوث… الخطر الأكبر في نهر عطبرة
على عكس نفوق الفئران، يرى د. بشرى أن نفوق الأسماك في نهر عطبرة يمثل تهديداً بيئياً خطيراً.
ويرجّح أن يكون السبب الرئيسي هو التلوث الناتج عن استخدام مادتي السيانيد والزئبق في عمليات التعدين، خاصة مع انتقال نشاط “الكرتة” إلى ضفاف الأنهار.
ويشرح أن عمليات التعدين الأهلي تستخلص نحو 30% فقط من الذهب، بينما تبقى 70% من المخلفات التي تُعاد معالجتها داخل المدن وعلى ضفاف الأنهار باستخدام مواد شديدة السمية. ويؤدي هذا التلوث إلى نفوق الأسماك وتسمم المياه والتربة، ما يشكل خطراً مباشراً على صحة الإنسان.
ويحذر من أن تناول الأسماك النافقة أو الملوثة قد يؤدي إلى تراكم السموم داخل الجسم، مسبباً أمراضاً خطيرة تشمل السرطان والفشل الكلوي وتشوه الأجنة وأمراض الكبد والجهاز العصبي.
- انهيار أنظمة المكافحة
يشير الخبير البيئي إلى أن السودان كان ينفذ حملات دورية لمكافحة الفئران والآفات، تعتمد على علم التنبؤ الحيوي الذي يحدد فترات الذروة في انتشار القوارض. لكن هذه الحملات توقفت بسبب الحرب ونهب معدات إدارة وقاية النباتات، بما في ذلك الطلمبات والمبيدات ووسائل الحركة.
ويؤكد أن غياب المكافحة الدورية يعني أن الظاهرة ستتكرر سنوياً، خاصة أن الفئران تُعد من أخطر الآفات بسبب قدرتها على نقل أمراض مثل الطاعون، وصعوبة مكافحتها نظراً لانتمائها إلى فصيلة الفقاريات مثل الإنسان، ما يجعل كثيراً من السموم المستخدمة خطرة على البشر أيضاً.
- تلوث يفوق آثار الحرب
يرى د. بشرى أن السودان يواجه اليوم ظاهرتين خطيرتين: انتشار الفئران ونفوق الأسماك، لكن الأخيرة أخطر بكثير لأنها ترتبط بتلوث مباشر لمياه الشرب والتربة والمحاصيل.
ويعتبر أن التلوث الكيميائي يمثل "الحرب الحقيقية" التي تهدد حياة المواطنين، داعياً إلى تفعيل القوانين البيئية وتعزيز الحوكمة في الولايات.
ويشدد على أن حقوق المواطن البيئية يجب أن تكون أولوية، لأن الإنسان لا يمكن أن يعيش حياة كريمة في بيئة ملوثة.
ويؤكد أن معالجة آثار التلوث الناتج عن التعدين تفوق بكثير العائدات المالية التي يجنيها الأفراد أو الدولة من هذه الأنشطة.
المصدر: RT