محمد مبروك الكميتي، شاب من مدينة مصراتة، خرج لمواجهة تنظيم داعش في معركة البنيان المرصوص، وعاد منها محمولا على نقالة… لكنه لم يعد مهزوما.
كان الكميتي طالبا بكلية الاقتصاد بجامعة مصراتة، يحلم بمستقبل أكاديمي عادي، قبل أن يختار طريقا أكثر وعورة، حين التحق بصفوف المقاتلين دفاعا عن مدينته ووطنه.
وفي 15 يوليو 2016، استقرت رصاصة قناص من تنظيم داعش في فقرته العنقية الرابعة، لتحدث قطعا في الحبل الشوكي، وتضعه فجأة أمام واقع الشلل الرباعي.
لحظة الإصابة لم تكن النهاية، بل بداية رحلة طويلة من الألم والعلاج. تنقل بين مستشفيات تركيا وتونس وألمانيا والتشيك، باحثا عن أمل، وعن خطوة تعيده للحياة. سنوات من المعاناة الجسدية، لكنها لم تنل من عزيمته ولا من إيمانه بأن القادم أفضل.
وعندما عاد إلى ليبيا، لم يختر العزلة، بل قرر العودة إلى مقاعد الدراسة، متحديا الإعاقة والظروف. واجه صعوبات قاسية في التنقل والدراسة، لكن إصراره كان أقوى. اشترى سيارة مخصصة لذوي الهمم، واعتمد على جهاز تقني يمكنه من تصفح المناهج عبر الهاتف باستخدام فمه، وهي وسيلة يقول عنها:
"غيرت حياتي بالكامل… وأعادت لي الأمل من جديد."
ويستذكر الكميتي بفخر موقف أساتذته في كلية الاقتصاد بجامعة مصراتة، الذين وقفوا إلى جانبه، ووفّروا له المناهج إلكترونيا، وساعدوه في أداء الامتحانات، وظلوا على تواصل دائم معه حتى لا يشعر أنه وحده في المعركة.
وفي حديثه المؤثر، يؤكد أن والديه كانا السند الحقيقي في أصعب المراحل، قائلا إن دعمهما وصبرهما كانا الوقود الذي منحه القدرة على الاستمرار وعدم الاستسلام.
ومن واقع تجربته، يوجه الكميتي رسالة واضحة للجهات الرسمية في ليبيا، داعيا إلى الاهتمام بذوي الهمم ودمجهم في المجتمع، والاستفادة من قدراتهم بدل تهميشهم، مؤكدا أن الإعاقة لا تلغي الطموح ولا تلغي العطاء.
واليوم، وبعد سنوات من الألم والتحدي، يقطف محمد ثمرة صبره، بالحصول على شهادة البكالوريوس بتقدير امتياز، واضعًا نصب عينيه هدفا أكبر: مواصلة دراسته العليا ونيل درجتي الماجستير والدكتوراه.
قصة محمد الكميتي ليست مجرد حكاية ناج من رصاص داعش، بل شهادة حيّة على أن الإرادة حين تولد من الألم.. تصنع المستحيل.
المصدر: RT