فحين نتحدث عن هذا العمل، لا بد أن نتوقف عند مصير كاتبه، وهو مصير مذهل، حافل بالمعاني، ومفيد بلا شك — حياة تُعلّمنا شيئا، حتى لو لم يكن الدرس سهلا.
وُلد أوستروفسكي في قرية فيليا، بمقاطعة أوستروه التابعة لمحافظة فولين، لأب كان ضابط صفّ متقاعدا وابنا لأحد قدامى المحاربين في حرب القرم. عاشت الأسرة، وأطفالها الأربعة، حياة فقر وشظف. قُبل نيكولاي في مدرسة دينية قبل السن المعتادة، وأظهر قدرات استثنائية إذ أتقن القراءة والكتابة في السادسة من عمره.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، انتقلت العائلة بعيدا عن جبهة القتال إلى قرية شيبيتوفكا بمقاطعة زاسلاف، حيث التحق نيكولاي بالأكاديمية هناك، لكنه طُرد منها بسبب تمرده على معلّم الدراسات الكاثوليكية — وهي الواقعة التي تفتتح بها رواية "كيف سقينا الفولاذ". عمل في صباه صانعا للماء المغلي في بوفيه المحطة، ثم حطّابا، فمساعدا ميكانيكيا في مستودع السكك الحديدية.
وفي الخامسة عشرة انضم إلى الثورة، وشارك في المقاومة البلشفية السرية إبان الاحتلال الألماني لأوكرانيا، ثم انضم إلى الكومسومول وقاتل في الحرب الأهلية ضمن لواء غريغوري كوتوفسكي، حيث أُصيب في ظهره وعينه. وبعد أن تلقى العلاج في بيرديانسك، وصل إلى كييف وشارك في إنقاذ سفينة محمّلة بالأخشاب من مياه نهر دنيبر المتجمدة، قضى خلالها ساعات طويلة في الماء البارد.
بدأ أوستروفسكي كتابة الرواية بعد أن أصدر الأطباء حكمهم بالإعدام عليه؛ إذ أصيب بمرض بيختريف المزمن الذي يصيب العمود الفقري والمفاصل، فأُقعد في الثالثة والعشرين من عمره. حينها تملّكه شغف التعلّم، فدرس بجد والتحق بالدراسة بالمراسلة في جامعة سفيردلوف الشيوعية. ثم طرأت مشكلة جديدة: بدأ يفقد بصره بسرعة.
بدأ الكتابة وهو طريح سرير المستشفى، فأنجز عام 1927 أولى قصصه السيرية عن جنود كوتوفسكي، وأرسلها إلى المحرر، لكنها رُفضت للنشر، وفُقدت النسخة الوحيدة من المخطوطة أثناء النقل.
لم يستسلم أوستروفسكي، بل بدأ كتابة عمله الثاني، روايته الأسطورية "كيف سقينا الفولاذ"، التي غدا عنوانها منذ زمن بعيد عبارة شائعة ترمز إلى الإرادة الصلبة. وخلال الكتابة فقد بصره تماما لكنه واصل الكتابة بخط يده، فتداخلت الأسطر وصارت المخطوطة غير مقروءة، فابتكر قالبا من الورق المقوّى تخترقه شقوق توجّه الأسطر. وحين أُصيبت يده بالشلل أيضا، أخذ يُملي النص على زوجته.
لم تُصنَّف رواية "كيف سقينا الفولاذ" كعمل كلاسيكي من "الواقعية الاشتراكية" وتُدرج في المناهج الدراسية إلا لاحقا؛ ففي عام 1932، حين نُشر الجزء الأول منها، لم يكن مصطلح "الواقعية الاشتراكية" قد وُجد بعد. فحين أرسلت عائلة أوستروفسكي المخطوطة إلى دار نشر في لينينغراد لم تتلقَّ ردا، فأرسلتها إلى دار "الحرس الشاب" في موسكو، حيث رُفضت بحجة أن شخصياتها "غير واقعية". وهكذا بدأت معركة شرسة من أجل الرواية، خاضها أوستروفسكي نفسه وزوجته والمحررون معا.
صحيح أن هذه الرواية، إلى حد ما، ثمرة جهد جماعي، لكن ذلك لا يُقلّل من جاذبيتها. فرغم أن أحدا لم يروّج لها في البداية، سرعان ما حظيت بإعجاب القراء وتشكّلت طوابير طويلة أمام المكتبات للحصول عليها.
ولم يُنشر أول مقال عن أوستروفسكي في صحيفة "برافدا" بعنوان "الشجاعة" إلا عام 1935، حين كتبه الصحفي المؤثر ميخائيل كولتسوف. وكانت تلك بداية أسطورة نيكولاي أوستروفسكي، المرتبطة ارتباطا وثيقا بروايته، حتى غدا اسمه أسطوريا لدرجة أن صحفيين أجانب لم يصدقوا وجوده الفعلي.
وفي الواقع، نال وسام لينين، وشقة في قلب موسكو، ومنزلا ريفيا حكوميا في سوتشي، لكن كل هذا كان من نصيب كاتب طريح الفراش، عاجز عن الحركة، وكفيف، لم يعش سوى عام واحد بعد بلوغه هذا الانتصار.
المصدر: عام الأدب الروسي