يظهر مدى اتساع شهرتها في أن أعمالها تُصنَّف في المرتبة الثانية عالميا من حيث الانتشار والترجمة، بعد الإنجيل ومؤلفات شكسبير.
يُشار إلى أن أغاثا كريستي، التي وُلدت في 15 سبتمبر 1890، عانت طوال حياتها من "الديسغرافيا"، وهو اضطراب عصبي يجعل ترتيب الحروف داخل الكلمات صعبا على المصاب به. مع أن ذلك لم يمنعها من ابتكار شخصيات محققين مشهورين، فقد ظلت الكتابة اليدوية تشكل تحديا كبيرا لها، فحين لم تكن الآلة الكاتبة في متناول اليد، كانت تملي نصوصها على مساعديها.
من الجوانب المثيرة للاهتمام في شخصيتها أنها، حتى بعد أن أصبحت مؤلفة مشهورة عالميا، كانت تُصر بعناد على تسجيل مهنتها كـ"ربة منزل" في الوثائق الرسمية. وكانت تنظر إلى الكتابة كهواية عابرة لا كمهنة جادة، وغالبا ما عملت في ظروف غير مثالية، مثل الكتابة على طاولة المطبخ أو في غرفة نومها.
اللافت أيضا أنها كانت مولعة بشكل غير عادي بالسموم. فخلال الحرب العالمية الأولى، عملت ممرضة في المستشفى، ثم مساعدة صيدلانية، وقد منحتها هذه التجربة معرفة عميقة بالمواد السامة. ذات مرة قالت: "أعطني زجاجة صغيرة قاتلة ولطيفة بدلا من لعبة، وسأكون سعيدة". تعرضت شخصيات رواياتها البوليسية التي تحبس الأنفاس للتسميم ثلاثا وثمانين مرة، وكانت كل حالة فريدة من نوعها، وأثر هذا الولع بشكل مباشر في كتاباتها. وهو ما جعلها مادة خصبة لمحبي أدب الجريمة.
من المواقف الغامضة في سيرتها اختفاؤها أواخر عام 1926، عقب شجار مع زوجها أرشيبالد بعد أن اعترف بوجود علاقة غرامية أخرى وطلب الطلاق. عُثر على سيارتها مهجورة، وظلت هي نفسها مفقودة أحد عشر يوما. ثم عُثر عليها في نهاية المطاف في منتجع «سوان هيدروباتيك» تحت اسم مستعار هو "تيريزا نيل". شخّص الأطباء آنذاك حالتها بأنها فقدان للذاكرة ناجم عن اضطراب نفسي، في حين التزمت أغاثا كريستي الصمت ولم تعلق علنا على الحادثة إطلاقا.
يُعتقد أن رواية أغاثا كريستي الأولى، "قضية ستايلز الغامضة"، قد ظهرت إلى الوجود في أعقاب رهان مع شقيقتها الكبرى "مادج"، التي كانت قد خاضت تجربة الكتابة من قبل. تعهدت حينها أغاثا بأنها قادرة على تأليف عمل أدبي متميز، وهو ادعاء شككت شقيقتها في صحته.
كانت جدة أغاثا كريستي النموذج الحي الذي استوحت منه شخصية المحققة العجوز الذكية "الآنسة ماربل"، وقد وصفت الكاتبة جدتها بأنها "امرأة طيبة القلب، لكنها كانت تتوقع الأسوأ دائما من الجميع ومن كل شيء، ولطالما ثبتت صحة توقعاتها بشكل يثير الدهشة".
بعد انتهاء زواجها الأول، سافرت كريستي إلى العراق حيث التقت بعالم الآثار "ماكس مالوان"، الذي أصبح زوجها الثاني لاحقا عام 1930. شاركت حينها بفاعلية في عمليات التنقيب التي كان يجريها، وساعدت في تنظيف القطع الأثرية وتصنيفها، واشتهرت بمقولتها: "عالم الآثار هو أفضل زوج يمكن أن تحظى به المرأة، فكلما تقدمت في العمر، ازداد اهتمامه بها".
من التفاصيل المدهشة أن أول عمل لأغاثا نُشر وهي في سن الحادية عشرة، وقد كتبت في تلك المناسبة قصيدة فكاهية عن عربة "ترام" جديدة، ونشرتها في الصحافة المحلية.
الجدير بالذكر في هذا السياق ما دار حول نعي شخصية خيالية. فقد أنهت أغاثا كريستي في عام 1975 حياة شخصية "هيركيول بوارو" الذائعة الصيت في رواية "الستار"، وكان رد فعل القراء قويا للغاية لدرجة أن صحيفة نيويورك تايمز نشرت نعيا لهذه الشخصية الخيالية في صفحتها الأولى.
من بين أعمالها العديدة المليئة بالغموض والضاجة بالحياة "جريمة في قطار الشرق السريع"، و"موت فوق النيل"، و"ثم لم يبق أحد"، إضافة إلى "جاؤوا إلى بغداد".
كل ذلك يؤكد أن حياة أغاثا كريستي لم تكن أقل إثارة وتشويقا من حبكات رواياتها البوليسية، التي لا يوجد إلا قلة في العالم لم تطلع عليها أو على الأقل لم تسمع بها لاسيما أن رواياتها تُرجمت إلى أكثر من مئة لغة.
المصدر: RT