كان ستالين، واسمه الحقيقي جوزيف دجوغاشفيلي، من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والغموض في تاريخ روسيا. وقد حرص طوال حياته على إبقاء تفاصيل حياته الخاصة بعيدا عن الأنظار، ما ساهم في انتشار الأساطير والروايات المتعلقة بماضيه وشكله الجسدي.
إصابات تركت آثارا دائمة
بحسب المؤرخ والكاتب الروسي إدوارد رادزينسكي، كان الإصبعان الثاني والثالث في قدم ستالين اليسرى ملتحمين. كما عانى في طفولته من مرض الجدري، الذي أصيب به في السادسة من عمره وترك ندوبا واضحة على وجهه.
وأصبحت عبارة "المصاب بالجدري" أو "المجدور" لقبا أطلق عليه في تقارير الدرك، في إشارة إلى آثار المرض التي بقيت على وجهه.
لكن إحدى أكثر سماته الجسدية الملفتة للانتباه كانت يده اليسرى. ففي عدد كبير من الصور واللوحات، يظهر ستالين وهو يخفي يده داخل سترته أو ممسكا بغليونه بيده اليسرى المثنية قليلا. وقد أصبح هذا الغليون الشهير جزءا من مظهره، لكنه كان في الواقع يخفي يده اليسرى المصابة.
حادث في طفولته
في عام 1885، عندما كان ستالين في السابعة من عمره، صدمته عربة، ما أدى، بحسب الروايات، إلى إصابات خطيرة في ذراعه اليسرى. ويقال إن ذراعه بقيت أقصر من اليمنى طوال حياته، كما واجه صعوبة في ثني مرفقه.
وبحسب ما نقله رادزينسكي، أخبر ستالين زوجته الثانية ناديجدا أليلوييفا عام 1917 أنه تعرض لحادث في طفولته، وأن أسرته لم تكن تملك المال اللازم لعلاجه، ما تسبب له التهابا ومن ثم تشوه يده، وفقا لهذه الرواية.
ويرى رادزينسكي أن الشعور بالنقص الجسدي ربما ترك أثرا في شخصية ستالين، التي وصفها بعض مؤرخي سيرته بأنها كانت حادة المزاج وكتومة وميلها إلى السيطرة واضحا منذ شبابه.
أب عنيف وطفولة قاسية
نشأ ستالين في أسرة عانى فيها من عنف والده، الذي كان يعاني من إدمان الكحول ويتسم بالسلوك العدواني. وبعد أن ترك الأب الأسرة، بقي جوزيف مع والدته. ولم يكن الطفل يشبه والده في ملامح وجهه فحسب، بل يؤكد كثيرون ممن عرفوا العائلة وجود تشابه بينهما في الطبع أيضا.
وقالت يانا موشيشفيلي، التي كانت صديقة لوالدته وعاشت حتى سن 112 عاما، إن الحياة الأسرية القاسية جعلت "سوسو" أكثر صلابة، ووصفته بأنه كان طفلا جريئا وفظا وعنيدا.
"سوسو" والمقاتل الصغير
لكن صورة الطفل الضعيف جسديا لم تكن تعني أنه كان مستسلما. فقد روى ميخائيل تسيرادزه، الذي درس معه في مدرسة غوري اللاهوتية، أن اللعبة المفضلة لدى سوسو كانت "كريفي"، نوعا من الملاكمة الشعبية بين فريقين من أطفال المدينة: أطفال الحي العلوي وأطفال الحي السفلي، حيث كانوا يتقاتلون دون رحمة.
وكان سوسو، رغم نحافته وصغر حجمه، من أكثر المقاتلين رشاقة وحركة، وكان يعرف كيف يتسلل خلف خصمه الأقوى. غير أن تسيرادزه أشار إلى أن أطفال الحي السفلي، رغم بدانتهم، كانوا في النهاية أقوى منهم.
وعندما عرض عليه تسيرادزه، الذي كان يُعد أفضل ملاكم في المدينة، الانضمام إلى فريقه قائلا: "تعال معنا، فريقنا أقوى"، رفض سوسو العرض؛ فقد كان الأول في فريقه، وكان يعرف كيف يتصدّر ويسيطر.
وفي وقت لاحق، شكل مجموعة من أقوى الفتيان وأطلق عليها اسم "الفرسان الثلاثة"، وأصبح يُلقَّب بـ"دارتانيان الصغير". وكان من بين أفرادها بيدرو كابانادزه وتسيرادزه وغريشا غلودجيزه، الذين كانوا ينفذون أوامر سوسو الذي أصبح قائدا للمجموعة.
أصدقاء الطفولة ظلوا قريبين منه
بعد أن أصبح ستالين شخصية سياسية نافذة وتخلص من عدد من رفاقه الثوريين، احتفظ بعاطفة تجاه بعض أصدقاء طفولته، وهي عاطفة وصفها بعض من عرفوه بأنها كانت غريبة على شخص بطبعه.
وخلال سنوات الحرب وما بعدها، كان يرسل إلى بيدرو وميخائيل وغريشا مبالغ مالية كبيرة بالنسبة إلى ذلك الوقت.
وفي رسالة إلى بيدرو كابانادزه، الذي كان يبلغ آنذاك السبعين من عمره، كتب ستالين في سن الثامنة والستين: "تقبّل هدية صغيرة مني. صديقك سوسو".
وهكذا، فإن اليد التي أصبحت لاحقا جزءا من الصورة الشهيرة لستالين كانت تخفي وراءها إصابة قديمة تعود إلى طفولته، بينما تكشف روايات أصدقائه ومعارفه جانبا مختلفا من شخصية الرجل الذي أصبح لاحقا أحد أكثر زعماء القرن العشرين تأثيرا وإثارة للجدل.
المصدر: RT