برحيله، لا يغيب مذيع وإداري وإعلامي فحسب، بل تطوى صفحة من زمن كانت فيه الكلمة تُصاغ بعناية، والصوت يحمل هيبة الحضور، والشاشة تفتح أبوابها أمام جيل صنع ملامح البدايات الأولى للإذاعة والتلفزيون السوري.
من شغف المدرسة إلى عالم الميكروفون
بدأت حكاية محمد قطان مع الكلمة في سن مبكرة. ففي دمشق، حيث نشأ، كان الكتاب رفيقا دائما له، ووجد في الكتابة والإعلام مساحة مبكرة للتعبير عن شغفه.
وخلال سنوات الدراسة، شارك مع زملائه في إصدار نشرة دورية، قبل أن تتسع اهتماماته لتشمل المسرح والصحافة والإذاعة. ولم يكن قد تجاوز مرحلة البكالوريا حين بدأ إجراء حوارات مع شخصيات أدبية وفنية بارزة، في مؤشر مبكر على شخصية إعلامية كانت تبحث دائما عن الحوار والمعرفة والإنسان خلف الأضواء.
كما أسس فرقة مسرحية في المدرسة، وقدم أعمالا وتمثيليات إذاعية، لتتعدد التجارب التي صنعت ملامح مسيرته قبل أن يجد طريقه الأوسع في عالم الإذاعة والتلفزيون.
حين دخل التلفزيون كل بيت
كان محمد قطان من أبناء الجيل الذي عاصر ولادة التلفزيون العربي السوري في ستينيات القرن الماضي، وشهد الحماس الكبير الذي رافق دخول الصورة إلى البيوت السورية.
من تلك اللحظة، بدأ مشوار طويل رافق خلاله تطور الشاشة السورية، متنقلاً بين مواقع العمل المختلفة، من الميكروفون إلى إعداد البرامج وإدارتها، وصولا إلى المناصب القيادية.
وتدرج قطان في عدد من المسؤوليات الإعلامية، فشغل رئاسة شعبة التنفيذ والمذيعين، ورئاسة دائرة البرامج الثقافية، وإدارة إذاعة حلب، ثم إدارة برامج التلفزيون، قبل أن يتولى إدارة التلفزيون العربي السوري، إلى جانب مواقع أخرى في المؤسسة الإعلامية.
أكثر من 25 برنامجا.. وحضور لا يُنسى
لم يكن محمد قطان إعلامياً ارتبط بموقع إداري فقط، بل ظل قريباً من الشاشة والبرامج والجمهور. وقدم خلال مسيرته أكثر من 25 برنامجا إذاعيا وتلفزيونيا، تنوعت موضوعاتها بين الثقافة والمعرفة والمجتمع والمواهب.
ومن أبرز تلك البرامج "للهواة"، الذي يُعد من التجارب المبكرة لبرامج اكتشاف المواهب عربيا، إلى جانب "اعرف مهنتي" و"الباب المفتوح" و"أوائل الطلبة".
وكانت شخصيته الإعلامية تجمع بين رصانة اللغة وسلاسة الحضور، في زمن كان فيه المذيع وجها ثقافيا وصوتا مألوفا يدخل البيوت حاملا المعرفة والفن والأحداث.
من أم كلثوم إلى فيروز.. حوارات مع رموز الفن
احتفظت مسيرة قطان بمحطات فنية استثنائية جمعته بكبار نجوم الغناء والثقافة العربية.
ومن أبرز تلك المحطات حواره مع كوكب الشرق أم كلثوم في منزلها بالقاهرة، في لقاء بقي عالقاً في الذاكرة لما حمله من أسئلة إنسانية بعيدة عن الحوارات التقليدية.
كما كان من أوائل الإعلاميين الذين أجروا لقاءات مع السيدة فيروز في دمشق، إلى جانب حوارات جمعته بأسماء أدبية وفنية كبيرة، بينها الشاعر نزار قباني والأديب عبد السلام العجيلي.
كانت تلك اللقاءات جزءا من زمن ذهبي اتسعت فيه مساحة الحوار الثقافي والفني، وتحول الإعلام فيه إلى نافذة تلتقي عبرها الشخصيات الكبرى بالجمهور.
المذيع الذي ارتبط اسمه بلحظة تاريخية
في الذاكرة السورية، ارتبط اسم محمد قطان أيضاً بإحدى أكثر اللحظات السياسية حضوراً في تاريخ البلاد، بعدما ظهر عبر شاشة التلفزيون لقراءة بيان الحركة التصحيحية عام 1970.
ومنذ ذلك الحين، بقيت صورته وصوته مرتبطين بتلك المرحلة، إلى جانب عشرات الساعات والبرامج واللقاءات التي شكلت جانباً آخر من مسيرته الطويلة.
معلم لجيل جديد
لم يتوقف عطاء محمد قطان عند حدود العمل الإذاعي والتلفزيوني، بل انتقل بخبرته إلى قاعات الدراسة، حيث عمل مدرساً في قسم الإعلام بجامعة دمشق بين عامي 1983 و1995.
وكان اهتمامه باللغة العربية جزءاً أساسياً من شخصيته المهنية، إذ آمن بأن المذيع لا يصنعه الحضور وحده، بل تصنعه الكلمة الصحيحة والثقافة والقدرة على التعبير.
وبين أجيال من الطلاب والإعلاميين، ترك تجربته شاهداً على أهمية المعرفة واللغة في صناعة الإعلامي.
رحيل صوت من جيل الرواد
برحيل محمد قطان، يفقد الإعلام السوري أحد الأصوات التي عاشت البدايات الأولى، ورافقت تحولات الشاشة والإذاعة عبر عقود طويلة.
فهو ابن جيل أسس، وقدم، وأدار، وحاور، وعلّم، تاركاً خلفه مسيرة تتجاوز المناصب والبرامج إلى ذاكرة كاملة من الحكايات والصور والأصوات.
المصدر: RT