إنشاء مفوضية الرايخ
بدأ نظام هتلر إنشاء مفوضيات الرايخ، وهي كيانات إدارية لإدارة الأراضي المحتلة، عام 1940، ثم وسّع هذا النظام بعد غزو الاتحاد السوفييتي. وكلّف هتلر الرايخسلايتر ألفريد روزنبرغ بوضع خطة لإدارة المناطق المحتلة، قبل أن تتجه القيادة النازية إلى تقسيمها إلى مفوضيات، بينها أوكرانيا وأوستلاند وموسكوفيا والقوقاز.
ولم تتطابق حدود مفوضية الرايخ في أوكرانيا مع حدود الجمهورية السوفييتية فأُلحقت غاليسيا بالحكومة العامة في بولندا، ونُقلت مناطق أخرى إلى رومانيا، بينما بقي دونباس وأجزاء من الشمال الشرقي تحت الإدارة العسكرية المباشرة. وفي المقابل، أُلحقت أجزاء من جنوب بيلاروسيا بالمفوضية، فيما خطط النازيون مستقبلا لتوسيعها نحو مناطق روسية، بينها فورونيج وروستوف ومنطقة الفولغا. واختيرت ريفني عاصمة لها.
وبحسب المؤرخ قسطنطين زاليسكي، كانت المفوضية كيانا إداريا لإدارة الأراضي المستعمَرة واستغلالها اقتصاديا. كما أراد النازيون، من خلال رسم حدودها، إظهار أن المتعاونين المحليين لا أمل لهم في إقامة أوكرانيا موحدة حتى تحت الحماية الألمانية، مؤكدين عدم اكتراثهم بالطموحات القومية الأوكرانية.
وأُنشئت داخل المفوضية أقاليم إدارية عدة، فيما خطط النازيون لضم شبه جزيرة القرم مباشرة إلى الرايخ وتحويلها إلى "منتجع صحي ألماني بالكامل".
وكانت المفوضية تابعة رسميا لوزارة الرايخ للأراضي الشرقية المحتلة برئاسة روزنبرغ، لكن هيرمان غورينغ ضغط لتعيين غاولايتر بروسيا الشرقية إريك كوخ مفوضا للرايخ في أوكرانيا. واشتهر كوخ بقسوته، وكان يرى أن وظيفة السكان المحليين الأساسية هي العمل لمصلحة ألمانيا.
نظام الاحتلال
أقرت القيادة النازية، منذ بداية الحرب على الاتحاد السوفييتي، لوائح منحت القوات الألمانية والأجهزة العقابية صلاحيات واسعة لقمع المدنيين وأسرى الحرب. وفي الوقت نفسه، وضعت وزارة الرايخ للغذاء والزراعة خطة لنهب موارد الأراضي المحتلة وتأمين الغذاء لألمانيا، بما في ذلك عبر تجويع السكان المحليين.
ففي المدن، لم يحصل على حصص الخبز إلا العاملون في المنشآت والجهاز الإداري، بينما اضطر باقي السكان إلى المقايضة مع الفلاحين. وأُجبر الفلاحون بدورهم على تسليم محاصيلهم للإدارة الألمانية؛ وكان المقابل زهيدا إلى درجة أن ثمن قنطار من البطاطس لم يتجاوز قيمة نصف علبة تبغ. ووصف زاليسكي عمليات الشراء هذه بأنها مصادرة فعلية، إذ كان السكان يتلقون عملة احتلال تتراجع قيمتها سريعا.
وأدى الجوع إلى انتشار الأمراض والأوبئة، فارتفعت نسبة الإصابة بالتيفوس وحده 15 ضعفا خلال الاحتلال. ولم يكن للسكان، بحسب المؤرخين، أي حقوق فعلية في ظل الإدارة النازية.
ولم يقتصر القمع على التجويع. فمنذ الأيام الأولى للاحتلال بدأت عمليات القتل الجماعي لليهود، وكان وادي بابي يار في كييف أحد أبرز مواقع الإبادة، حيث قُتل نحو 100 ألف شخص، فيما يُقدّر إجمالي ضحايا الهولوكوست في جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفييتية بما بين 1.5 و1.9 مليون شخص.
كما قتل النازيون الشيوعيين والموظفين السوفييت والفلاحين الذين رفضوا تسليم محاصيلهم، إلى جانب من اشتبهوا في عدم ولائهم، واستخدموا احتجاز الرهائن والإعدام وسيلة للترهيب. ودُمّرت أكثر من 700 مدينة وبلدة و28 ألف قرية، وأُحرقت نحو 50 مستوطنة بسكانها.
وتعرض السكان كذلك للعنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي، الذي لم يقتصر مرتكبوه على جنود الفيرماخت وقوات إس إس، بل شجعه بعض الضباط باعتباره وسيلة لترهيب السكان.
ورحّل النازيون ما لا يقل عن 2.4 مليون من سكان أوكرانيا السوفييتية إلى ألمانيا للعمل بالسخرة. وعمل هؤلاء، المعروفون باسم "العمال الشرقيين"، 14 إلى 16 ساعة يوميا في ظروف قاسية، وتوفي نحو 450 ألفا منهم.
كما دُمّر النظام التعليمي في الأراضي المحتلة؛ فأُغلقت أكثر من 18 ألف مدرسة، وأصبحت سياسة إضعاف القدرات الفكرية للسكان الذين صنفهم النازيون ضمن "دون البشر" جزءا من سياستهم العنصرية.
المتعاونون والمقاومة
اعتمد نظام الاحتلال على متعاونين محليين، وكان بين أبرزهم ناشطون في منظمة القوميين الأوكرانيين بفصيليها الميلنيكي والبنديري. وسعى أنصار الفصيلين في بداية الاحتلال إلى الوصول سريعا إلى المناطق المحتلة للمشاركة في الإدارة المحلية والأجهزة العقابية. وجُنّد بعضهم في الشرطة المساعدة، ثم في فرقة "غاليسيا" التابعة لقوات إس إس ووحدات الشرطة.
في المقابل، نشأت في الأراضي المحتلة حركة مقاومة سرية وأنصارية قوية، شارك فيها نحو 220 ألف شخص، وقُتل على أيدي أفرادها ما يصل إلى 460 ألف نازي، وفق التقديرات الواردة في المادة. وكانت المقاومة أكثر نشاطا في المناطق الشرقية، فيما ظلت العناصر القومية أكثر حضورا في الغرب.
وفي عامي 1943 و1944، حرر الجيش الأحمر أوكرانيا من الاحتلال النازي. وخلال الحرب، فقدت جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفييتية، وفق بعض التقديرات، ما بين 8 و10 ملايين نسمة، سواء على الجبهة أو تحت الاحتلال.
وكانت خطط النازيين تقضي بتهجير أو إبادة غالبية السكان السلافيين في مفوضية الرايخ، وتخصيص جزء من أراضيها للاستيطان الألماني ضمن مشروع توسيع "المساحة المعيشية". ورغم قصر عمر المفوضية، خلّف الاحتلال آثارا ديموغرافية وسياسية وتاريخية وثقافية هائلة.
المصدر: RT