وكان القط "مانيجيك" أحدث حلقة في هذا التقليد، بعدما طلب سيرك تشينيسيلي من متحف الإرميتاج ترشيح أحد قططه للمساعدة في مكافحة القوارض داخل إسطبلات السيرك. واستند الاختيار إلى الخبرة الطويلة التي راكمها المتحف في رعاية هذه الحيوانات، إذ أُقيمت مراسم رسمية لتسليم القط بعد أشهر من التحضير، شملت تجهيز مكان إقامة خاص له وتوفير الرعاية البيطرية وطوق تتبع لضمان سلامته.
لكن قصة قطط الإرميتاج تعود إلى القرن الثامن عشر، عندما أصبحت هذه الحيوانات جزءا من حياة القصر الشتوي في بطرسبورغ. ففي عام 1745 أصدرت الإمبراطورة إليزابيث بتروفنا مرسوما يقضي بإحضار قطط مختارة من مدينة قازان إلى القصر، بعد أن تسببت الفئران والجرذان في مشكلات داخل المبنى الإمبراطوري وهددت مقتنياته.
ومنذ ذلك الوقت تولت القطط مهمة حماية القصر من القوارض، واستمرت في أداء هذا الدور بعد تحويله إلى متحف الإرميتاج، أحد أكبر مجمعات المتاحف الفنية في العالم. ولم تكن مهمتها مجرد إجراء عملي للحفاظ على المبنى، بل أصبحت مع مرور السنوات جزءا من هوية المكان وذاكرته.
ولم تكن رحلة هذه القطط دائما هادئة. ففي سنوات الحرب العالمية الثانية، وخلال حصار لينينغراد، اختفت القطط من المدينة تقريبا بسبب الجوع والظروف القاسية، ما أدى إلى انتشار القوارض التي شكلت خطرا على المباني والمخازن والمنشآت الثقافية. وبعد انتهاء الحرب أُرسلت قطط من مناطق مختلفة، بينها سيبيريا، إلى لينينغراد للمساعدة في مواجهة المشكلة واستعادة وجود القطط في المدينة. ويُعتقد أن نسل بعض تلك القطط السيبيرية أصبح جزءا من سلالة قطط الإرميتاج الحديثة.
ومع مرور الزمن تجاوزت قطط الإرميتاج مهمتها الأصلية في صيد الفئران، لتتحول إلى شخصيات محبوبة لها مكانتها الخاصة داخل المتحف. فهي تحظى برعاية دائمة تشمل الغذاء والمأوى والعلاج البيطري، ولكل منها سجل خاص، كما أصبحت قصصها موضوعا للكتب والمواد التعريفية، ومن بينها كتاب "بيت القطط في الإرميتاج"، إضافة إلى فعاليات سنوية مخصصة لها تجذب اهتمام سكان بطرسبورغ والسياح.
ولا تعيش هذه القطط بين اللوحات وقاعات العرض المفتوحة أمام الزوار، بل تقيم أساسا في أقبية المتحف والممرات الخدمية، حيث تواصل أداء مهمتها التقليدية. ومع ذلك أصبحت حضورا رمزيا للمتحف، حتى أن العاملين والزوار يعرفون كثيرا منها بأسمائها وشخصياتها المختلفة.
كما حافظ الإرميتاج على تقليد إرسال بعض قططه إلى مؤسسات أخرى تحتاج إلى خدماتها، إذ انتقلت في سنوات سابقة إلى أماكن تاريخية وثقافية مختلفة، لتواصل مكافحة القوارض، وفي الوقت نفسه تتحول إلى عناصر جذب للزوار.
وتوضح إدارة المتحف أن اختيار القطط لهذه المهام لا يعتمد فقط على قدرتها على الصيد، بل أيضا على طبيعتها وسهولة تكيفها مع البيئة الجديدة. ولهذا وقع الاختيار على "مانيجيك" بفضل هدوئه واجتماعيته وقدرته على التعامل مع الناس وسرعة تأقلمه مع الأماكن غير المألوفة.
ورغم توفر وسائل حديثة لمكافحة القوارض، يواصل الإرميتاج الحفاظ على هذا التقليد باعتباره جزءا من تاريخ المكان وروحه. لذلك فإن انتقال "مانيجيك" إلى سيرك تشينيسيلي لا يمثل مجرد انتقال قط إلى مقر جديد، بل استمرارا لإرث بدأ بمرسوم إمبراطوري قبل نحو 280 عاما، وجعل من قطط الإرميتاج حراسا غير رسميين للفن والتاريخ، وأحد أكثر رموز بطرسبورغ تميزا.
المصدر: روسيسكايا غازيتا +RBTH