مباشر

"تساؤلات" مفتوحة على قيم جمالية متنوعة في "الآرت هاوس" بدمشق (فيديو+صور)

تابعوا RT على
يلتقي في غاليري "الآرت هاوس" بدمشق أربعة من الفنانين التشكيليين السوريين في معرض بعنوان "تساؤلات" ليس كلافتة أو كشعار فلسفي بقدر ما يشكل البنية الفكرية التي تنظم التجارب المشاركة.

التقي في غاليري "الآرت هاوس" الفنانون: ربا قرقوط، بسام الحجلي، زياد قات، وسليمان عبيد، وكانت الأعمال على اختلاف وسائطها بين التصوير والنحت، لا تسعى إلى تقديم أجوبة جاهزة، بل تدعو المتلقي إلى منطقة تتداخل فيها الذاكرة مع الواقع، والذات مع العالم، واليقين مع الشك.

ومنذ اللحظة الأولى، يتضح أن المعرض لا يقوم على وحدة الأسلوب، وإنما على وحدة الرؤية، فلكل فنان لغته البصرية الخاصة، غير أن الجميع يلتقون عند سؤال الإنسان المعاصر، المثقل بتحولات الواقع، والباحث عن معنى جديد للهوية والانتماء.

اللون كطاقة للطمأنينة

في تجربة ربا قرقوط، يتحول اللون إلى عنصر دلالي يتجاوز وظيفته الجمالية. فالسطوح المشبعة بدرجات الأخضر والأزرق والألوان الدافئة لا تُقدَّم بوصفها احتفاء باللون في ذاته، وإنما كمحاولة لاستعادة التوازن النفسي في زمن تتكاثر فيه صور القلق والاضطراب.

ورغم الانطباع الأول الذي توحي به اللوحات من بهجة وصفاء، فإنها تخفي طبقات شعورية عميقة، تتجاور فيها الشفافية مع التراكم، والسكون مع توتر داخلي يمنح السطح التشكيلي حيوية خاصة. كما يسهم تنوع المقاسات والخامات والتقنيات في فتح العمل على تأويلات متعددة، تجعل المتلقي شريكا في إنتاج المعنى.

طبقات الذاكرة وتشظيات الهوية

يبني بسام الحجلي مشروعه التشكيلي على كثافة المادة اللونية، وعلى علاقة مركبة بين الكتلة والفراغ، لتغدو اللوحة فضاء بصريا تتقاطع داخله الذاكرة مع الهوية.

ولا يعتمد الفنان على السرد المباشر، بل يراهن على النسيج التشكيلي وطبقات اللون التي تخفي بقدر ما تكشف، فتتحول أعماله إلى خرائط نفسية تستدعي أسئلة الانتماء والمصير، وتلامس حالة الإنسان في مواجهة التحولات المتسارعة التي تعيد تشكيل علاقته بذاته ومحيطه.

الكتلة بوصفها مقاومة

يشكل النحت في هذا المعرض امتدادا للرؤية البصرية، لا وسيطا منفصلا عنها. ففي أعمال سليمان عبيد تتحول الكتلة إلى استعارة للمقاومة والصمود.

فالشخوص الصاعدة، والأجساد المعلقة بين الحركة والسقوط، والحصان الذي يرفض الانكسار، جميعها تحمل دلالات تتجاوز الشكل إلى التعبير عن الإرادة الإنسانية في مواجهة الانهيار، حيث تصبح الكتلة لغة وجودية تختزل الصراع بين الهزيمة والأمل.

اختزال الشكل واستدعاء الذاكرة

أما زياد قات، فيواصل مشروعه المعروف في اختزال الشكل الإنساني، معتمدا على الاقتصاد في التفاصيل، ومراهنا على قوة الكتلة والإيقاع الداخلي.

وتحضر المرأة في أعماله بوصفها رمزا للحياة والخصب والاستمرار، أكثر من كونها موضوعا تشكيليا، بينما تتحول الخامة، سواء كانت الخشب أو الفايبر، إلى وسيط يخدم الفكرة دون أن يفرض حضوره عليها، وهو ما يمنح أعماله صدقا بصريا نابعا من انسجام الشكل مع الرؤية.

حوار اللوحة والمنحوتة

نجح المعرض في إقامة حوار بصري بين التصوير والنحت، فلم يشعر الزائر بانفصال بين الوسيطين، بل بإيقاع بصري متكامل تنتقل فيه العين بانسيابية بين اللوحة والمنحوتة. وقد أسهم هذا التداخل في تعزيز الفكرة العامة للمعرض، حتى بدت الأعمال وكأنها تتحاور فيما بينها، قبل أن تفتح باب الحوار مع المتلقي.

جماليات السؤال المفتوح

تكمن القيمة الحقيقية للمعرض في أنه لا يسعى إلى تفسير العالم، بل إلى مساءلته. فالفن لا تُقاس قيمته بعدد الإجابات التي يقدمها، وإنما بقدرته على إنتاج أسئلة جديدة، وإثارة التأمل، وتوسيع أفق الرؤية.

ومن هنا، ينجح المعرض في تحويل كل لوحة ومنحوتة إلى مساحة مفتوحة للتفكير، تؤكد أن العمل التشكيلي الحقيقي لا يُختزل في معنى واحد، بل يظل قابلا لقراءات متجددة تتغير بتغير خبرات المتلقي وحساسيته الجمالية.

وجاء المعرض ليؤكد أن السؤال في الفن ليس نقصا في اليقين، بل بداية لاكتشافه وأن القيمة الجمالية الحقيقية للعمل التشكيلي تكمن في قدرته على استثارة الوعي، سواء لدى متلق يمر بالأعمال مروراعابرا، أم لدى آخر يقف أمامها طويلا، باحثا عن إجابة يدرك، في النهاية، أنها ليست سوى بداية لسؤال جديد..

المصدر: RT

 

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا