مباشر

"شمس الشعر" التي لا تغيب.. كيف تحول ميلاد بوشكين إلى عيد عالمي للغة الروسية؟

تابعوا RT على
يصادف السادس من يونيو سنويا "يوم اللغة الروسية"، وهو عيد وطني استحدث عام 2011 تزامنا مع ذكرى ميلاد الشاعر العظيم ألكسندر بوشكين، مؤسس الأدب الروسي الحديث.

يأتي اختيار هذا التاريخ تجسيدا للمقولة الشهيرة التي أطلقها الناقد أبولون غريغورييف عام 1859: "بوشكين هو كل شيء بالنسبة لنا!"، حيث يُلقب بـ "شمس الشعر الروسي" والشاعر الأهم في تاريخ البلاد. ورغم قصر حياته التي امتدت لـ 37 عاما فقط، ترك بوشكين إرثا غزيرا شمل 783 قصيدة، بينها 12 قصيدة طويلة، و7 حكايات شعرية للأطفال، و8 مسرحيات، و15 رواية وقصة قصيرة، إلى جانب روايته الشعرية الأيقونية " يفغيني أونيغين" التي تُوصف بـ "موسوعة الحياة الروسية".

وبرع بوشكين في شتى الأجناس الأدبية، فصارت قصائده محبوبة ومفهومة لدى كافة فئات الشعب بفضل سلاسة نطقها وعذوبة قوافيها، حتى بات مستحيلا إيجاد موضوع فلسفي أو حياتي لم يتطرق إليه في نتاجه الأدبي. وتكمن ميزته الكبرى في ابتكاره لغة أدبية جديدة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ وهي ذات اللغة المتحدثة والمكتوبة في روسيا اليوم. فقبل عهده، كانت اللغة المكتوبة في القرن الثامن عشر تعج بالتعبيرات الفصيحة البعيدة عن الكلام الشفهي اليومي، لكن بوشكين نجح في دمج الأساليب الأدبية الراقية بالشعبية، وزاوج بين العامية والمكتوبة، مستعينا بكلمات أجنبية ومزجها بعبارات شعبية مبسطة في صياغة شعرية ونثرية بالغة البراعة، غدت مصدر إلهام لكل الكتاب الروس من بعده.

وتعود الجذور الأولى للاحتفالات الواسعة المرتبطة ببوشكين في التاريخ الحديث إلى العهد السوفيتي عام 1937، حينما أحيت السلطات آنذاك الذكرى المئوية لوفاته؛ حيث أُزيح الستار عن نصب تذكاري له في موسكو، ونُشرت مجموعته الكاملة من الأعمال، ونُظِّم معرض كبير أثمر عن تأسيس معهد الأدب الروسي المعروف بـ "بيت بوشكين".

وفي تسعينيات القرن الماضي، أُعيد النظر في أهمية مأسسة هذا اليوم؛ فاحتفلت روسيا عام 1999 على نطاق واسع بالذكرى المئوية الثانية لميلاده، ثم أُعلن عام 2007 "عام اللغة الروسية". وقبل اعتماده رسميا في البلاد، كان يُحتفل باليوم بالفعل في شبه جزيرة القرم. ولاحقا في عام 2010، اعتمدت الأمم المتحدة يوم 6 يونيو "يوما عالميا للغة الروسية"، باعتبارها ضمن اللغات العشر الأولى عالميا من حيث عدد المتحدثين والبالغ نحو 260 مليون نسمة.

وفي عام 2011، أصدر الرئيس الروسي آنذاك، ديمتري ميدفيديف، مرسوما يقضي بالاحتفال السنوي بـ "يوم اللغة الروسية"، وجاء في نصه وصف بوشكين صراحة بـ "مؤسس اللغة الأدبية الروسية الحديثة".

وتشهد جميع أنحاء روسيا حاليا تنظيم مهرجانات وأمسيات أدبية ولقاءات ثقافية هادفة في هذا اليوم؛ حيث يُقام منذ أحد عشر عاما "مهرجان الكتاب في الساحة الحمراء" بجوار أسوار الكرملين في موسكو مطلع يونيو، ليتزامن مع الاحتفاء بيوم اللغة الروسية وعيد ميلاد بوشكين.

ويظل بوشكين الشاعر المفضل لدى الأجانب على الرغم من الاعتقاد الشائع بأن القصائد تفرغ من مضمونها في الترجمة وأن نصوصه صعبة النقل. لكن أعمال بوشكين تحظى بحركة ترجمة واسعة؛ إذ سجلت قصيدته "أستعيد اللحظة العجيبة" رقما قياسيا بترجمتها إلى 210 لغات، وترجمت روايته " يفغيني أونيغين " لأكثر من 100 لغة، منها عشرات النسخ باللغة الإنجليزية وحدها.

وبالنسبة إلى الطلاب الأجانب، يبدأ شغفهم بالأدب الروسي عادة عبر بوابة بوشكين، نظرا لصعوبة قراءة أعمال تولستوي ودوستويفسكي بلغتها الأصلية. وفي هذا السياق، لفت طالب إيراني يدرس في معهد بوشكين للغة الروسية مؤخرا إلى أن "الناس، بعد مرور قرنين من الزمن، ما زالوا يقرؤون أعماله باهتمام بالغ". ويقول أحد أبرز مترجمي بوشكين المعاصرين إلى الإنجليزية والذي مُنح الجنسية الروسية تقديرا لجهوده في نشر هذه النصوص عالميا، جوليان لوفنفيلد: "ينقذني بوشكين كل يوم بسخريته ورقته.. إنه ترياق روحي للابتذال الذي يحاصرنا يوميا، إذ يدعو إلى الحب، والحرية، وتحقيق السعادة من خلال العيش بصدق؛ فماذا يمكن أن يكون أهم من ذلك؟"

المصدر: Gateway to Russia

 

هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط .بامكانك قراءة شروط الاستخدام لتفعيل هذه الخاصية اضغط هنا