تتمحور أبرز تفاصيل تلك الحالة، التي ارتبطت بتاريخ 24 سبتمبر 1869، حول الانهيار الحاد في سعر الذهب والأزمة المالية العارمة التي تلت ذلك، وهي أزمة كشفت هشاشة السوق وضعف الضوابط التنظيمية في تلك المرحلة.
كانت الأزمة ناجمة عن مخطط دبّره مضاربان نافذان، هما جاي غولد وجيمس فيسك، اللذان كانا يسيطران على شركة "إيري" للسكك الحديدية. قرر الرجلان رفع سعر الذهب، الذي كان يمثل العملة الدولية في ذلك العصر، بشكل مصطنع.
قامت خطتهما على شراء كميات ضخمة من الذهب لدفع أسعار الحبوب إلى الارتفاع، وهو ما كان سيؤدي بدوره إلى زيادة رسوم الشحن عبر السكك الحديدية التي يملكانها. في اليوم الأول لعمليات الشراء، قفز سعر الذهب بنسبة 40 بالمئة، ما أظهر قوة المضاربة وسرعة تأثر السوق بها.
لمعالجة الأزمة، أصدر وزير الخزانة جورج بوتويل، بناء على أوامر الرئيس يوليسيس غرانت، قرارا ببيع كمية كبيرة من الذهب قدرها نحو أربعة ملايين دولار من احتياطي الخزانة، بهدف تحقيق الاستقرار في السوق. وقد أدى هذا الإجراء إلى هبوط حاد في الأسعار، إذ انخفض سعر الذهب في يوم واحد من نحو 160 دولارا للأونصة إلى 133 دولارا.
تسببت أنباء بيع الحكومة للذهب في انهيار سعره بنسبة 30 بالمئة، ما أثار حالة من الذعر العارم في بورصة نيويورك، فقد هوت الأسعار، واضطر المتداولون إلى بيع الأسهم على عجل لسداد ديونهم، وأعلنت العديد من شركات الوساطة إفلاسها، وأدى الانهيار إلى شلل في سوق الأسهم، حيث أُغلقت بورصة نيويورك لعدة أيام.
كما شهدت أسهم السكك الحديدية انخفاضا طويل الأمد في قيمتها، وتحولت من استثمارات موثوقة إلى أدوات للمضاربة. أفلست شركات الوساطة الصغيرة، ووجد المزارعون الذين يعتمدون على الائتمان أنفسهم في وضع صعب بسبب عدم استقرار الأسواق المالية، وهو ما جعل آثار الأزمة تتجاوز البورصة لتصل إلى الاقتصاد الحقيقي وحياة الناس اليومية.
أثارت الفضيحة غضبا عاما واسعا، وكشفت التحقيقات التي أجراها الكونغرس الأمريكي عن وجود صلات بين غولد وفيسك ومسؤولين حكوميين. ورغم تعذر إثبات تقديم رشوة مباشرة للرئيس غرانت، إلا أن أيبل كوربين أُجبر على إعادة الأموال التي كان قد تلقاها. نتيجة لذلك، اتُخذت تدابير لتعزيز الرقابة على تداول الأسهم، وتحديدا فرض قيود على عمليات المضاربة في الذهب. أظهرت هذه التدابير أن الأزمات الكبرى كثيرا ما تصبح دافعا لإصلاحات لا تحدث في الأوقات العادية، لأن الخطر عندما يتحقق يمنح المشرعين حجة قوية لفرض قواعد أكثر صرامة.
رغم أن غولد وفيسك نجيا من الإفلاس وخرجا من المخطط بأرباح، حيث بلغت مكاسب غولد الشخصية ثلاثة ملايين دولار على الأقل، إلا أن سمعتهما تضررت بشدة. في عام 1872، غادر غولد البورصة وقطاع السكك الحديدية. هكذا، لم يكن نجاحهما المالي نهاية القصة، بل كان بداية فقدان الثقة بهما، وهو ثمن قد يكون أقسى من الخسارة المباشرة في أسواق المال.
شكّل ذعر "الجمعة السوداء" عام 1869 درسا قاسيا لكل من الأسواق المالية والحكومة. وظهرت عدة استنتاجات رئيسية من هذا الحدث، منها أن التاريخ أثبت بوضوح عواقب محاولات لاعبين رئيسيين أو أكثر السيطرة المصطنعة على السوق، أي شراء الجزء الأكبر من سلعة ما، الذهب في هذه الحالة، لرفع الأسعار قبل بيعها وتحقيق أرباح هائلة. هذا بالضبط ما حاول غولد وفيسك فعله، ورغم إحباط مخططهما في النهاية، إلا أنه تسبب بالفعل في انهيار الأسعار وإفلاس العديد من التجار وشركات الوساطة. عزز هذا الدرس الوعي العام والتشريعي بالمخاطر المرتبطة بالتلاعب بالسوق، ودفع نحو فكرة قضت بضرورة وجود قواعد للحد من مثل هذه الممارسات.
من النقاط الجوهرية أن مخطط غولد وفيسك أُحبط في النهاية بفضل إجراءات الحكومة الفيدرالية؛ إذ أمر الرئيس غرانت بطرح كميات كبيرة من الذهب الحكومي في السوق لخفض الأسعار التي ارتفعت بشكل مصطنع.
عززت هذه الواقعة الحجة الداعية إلى وجود سلطة داخل النظام المالي، تمثلت لاحقا في البنك المركزي، تكون قادرة على التدخل في اللحظات الحرجة، وإدارة المعروض النقدي، ومنع تحول حالة الذعر إلى أزمة شاملة. هذا المنطق ذاته هو الذي أدى لاحقا إلى إنشاء نظام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بوصفه مؤسسة قادرة على مواجهة الأزمات المصرفية والمالية قبل انتشارها.
من جهة أخرى، استغل غولد وفيسك علاقاتهما، وتحديدا من خلال أيبل كوربين، صهر الرئيس غرانت، للتأثير على القرارات الحكومية ووقف مبيعات الذهب من قبل وزارة الخزانة بشكل مؤقت. وقد أظهر ذلك كيف يمكن للوصول المميز إلى المعلومات والنفوذ السياسي أن يمنح بعض المشاركين ميزة غير عادلة ويشوه طبيعة السوق. كما أوضحت الفضيحة ضرورة سد مثل هذه الثغرات، والحاجة إلى مزيد من الشفافية في تصرفات المشاركين في السوق، لأن الثقة ليست نتيجة تلقائية للنشاط المالي، بل شرط لازم لاستمراره.
علاوة على ذلك، تكبد العديد من المشاركين في السوق خسائر فادحة لأنهم اشتروا الذهب بالائتمان، متوقعين استمرار ارتفاع الأسعار، وحين هوت الأسعار عجزوا عن سداد قروضهم، ما أدى إلى سلسلة من حالات الإفلاس. أكدت هذه التجربة للمستثمرين أهمية اتباع نهج حذر عند استخدام الأموال المقترضة، وضرورة إجراء تقييم دقيق للمخاطر قبل الاندفاع خلف وعود الربح السريع. الأسواق قد ترتفع بفعل المضاربة، لكنها لا تلبث أن تصحح مسارها، ومن يبني قراراته على افتراض استمرار الارتفاع إلى ما لا نهاية يجد نفسه غالبا في مقدمة الخاسرين.
خلاصة القول إن "الجمعة السوداء" كانت بمثابة نقطة تحوّل، دفعت كلا من الجهات التنظيمية والمستثمرين إلى إعادة تقييم عميقة لنهجهم في إدارة المخاطر والرقابة على السوق. تبيّن أن المضاربة حين تتحول إلى محاولة للسيطرة على سلعة حيوية، فإنها لا تهدد المضاربين وحدهم، بل تهدد الاستقرار المالي بأكمله. كما أظهرت أن التدخل الحكومي السريع والحاسم قد يمنع الكارثة، لكنه لا يغني عن القواعد الدائمة والشفافية والمساءلة. بهذا المعنى، بقي ذلك الحدث محطة مفصلية في تاريخ التنظيم المالي الأمريكي، ومصدرا للدروس التي لا تزال ذات صلة بأسواق اليوم.
المصدر: RT