مالي بين نار التنظيمات المتشددة والاطماع الخارجية

مالي بين نار التنظيمات المتشددة والاطماع الخارجيةعمر الصلح
انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/news/606592/

إن عشرات الشركات الفرنسية التي تسيطر على حقول اليورانيوم والنفط والغاز، تؤكد ان العوامل الاقتصادية هي الدافع الأساسي لدخول القوات الفرنسية الى مالي، ناهيك عن الأطماع الاستعمارية.

تتصدر مالي حاليا قائمة الأحداث في العالم، فما هي أسباب الازمة داخليا؟ وما هو دور الأطماع الخارجية في تأجيج الازمة.
تداخلت مصالح الدول الكبرى مع الصراعات القبلية في مالي ، فليس خفيا على احد ان الشركات الفرنسية والأمريكية - الكندية لعبت دورا أساسيا في تأجيج الصراع الداخلي، إذ ان مالي هي ثالث أكبر دولة مصدرة للذهب في افريقيا، إضافة الى ان أراضيها غنية باليورانيوم والبترول. وعلى الرغم من إعلان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عند بدء العلية العسكرية "ان بلاده لا تدافع عن مصالح اقتصادية او سياسية في مالي" فان عشرات الشركات الفرنسية التي تسيطر على حقول اليورانيوم والنفط والغاز، تؤكد ان العوامل الاقتصادية هي الدافع الأساسي لدخول القوات الفرنسية الى مالي، لاسيما وان هناك الكثير من مصادر الثروة في مالي لا تزال غير مكتشفة، ناهيك عن الأطماع الاستعمارية.
بالطبع دخول القوات الفرنسية الى مالي لن يكون نزهة بالرغم من تمكنها من السيطرة على أنحاء واسعة في البلاد، وبحسب الخبراء العسكرين ان القوات الفرنسية ستواجه لاحقا أعمال مقاومة مع مسلحين خاضوا مواجهات داخلية لسنوات طويلة وهم على علم بجغرافية المنطقة وديموغرافيتها وقد تمرسوا جيدا على الحروب التقليدية من خلال المواجهات التي خاضوها مع القوات الحكومية، كما ولديهم خبرة ايضا في حرب العصابات من خلال المواجهات الداخلية فيما بينهم. واستمرار الأوضاع تدهورا في مالي لا بد ان يترك آثاره على دول الجوار التي تعاني أصلا حالة من عدم الاستقرار بدء من ليبيا ومرورا بالنيجر وبوركينا فاسو وساحل العاج وغينيا وموريتانيا والسنغال وصولا الى الجزائر، إذ ان بعض هذه الدول يشهد ايضا نموا وانتشارا للحركات الجهادية ، مما يعني ان القارة السمراء عموما أمام مهددة بحالة فوضى قد تعم أجزاء كبيرة منها.

مراحل تطور الازمة

بحسب تقارير الامم المتحدة تعتبر مالي واحدة من أفقر دول العالم، إذ انها تحتل المرتبة 170 على لائحة الدول الفقيرة من اصل 192 في العالم، وتصل نسبة الامية الى اكثر من 75 بالمئة، نظرا لقلة وجود مدارس، فالمدارس المتوفرة لا تكفي لاكثر من 20 بالمئة من الاطفال، في حين لا توجد اية جامعة في البلاد، القطاع الطبي ليس احسن حالا من قطاع التعليم اذ ان نصف الاطفال يتعرضون للموت عند الولادة نظرا لعدم توفر المساعدة الطبية اللازمة، ومتوسط العمر لا يتجاوز ال 50 سنة. وغالبية سكان مالي من المسلمين ويعتمدون على الزراعة وصيد السمك لتوفير قوتهم اليومي.

منذ فترة طويلة تعاني مالي من صراعات قبلية مختلفة، وفي مناطق الشمال تسعى قبائل الطوارق منذ اكثر من خمسين عاما الى الانفصال، وقد شهد أقليم أزواد في الشمال انتفاضة للطوارق عام 1962 واستمرت الأوضاع بالتأزم الى انتفاضة 1990. ومع انتشار تنظيم القاعدة في بلاد المغرب انتشرت الحركات الجهادية المتشددة في مالي وازداد الوضع تعقيدا في البلاد الى ان حدثت انتفاضة العام 2006، ومنذ ذلك الحين ظهرت 3 أطراف رئيسية على مسرح الأحداث الداخلية وهي قبائل الطوارق المنادية بالانفصال، والحركات المتشددة الداعية لحكم الشريعة الإسلامية، والحكومة التي تحاول السيطرة على البلاد مستعينة بالمساعدات الأجنبية.

في يناير العام الماضي شنت قوات الطوارق تحت لواء "الحركة الوطنية الموحدة لتحرير أزواد" حربا شاملة على القوات الحكومية وتمكنت من السيطرة على شمال البلاد، وفي مارس من العام الماضي وقع انقلاب عسكري بقيادة النقيب امادو سانوجو الذي تلقى تعليمه في الولايات المتحدة الامريكية أطاح بالحكم، وتولى السلطة الشيخ موبيدو ديارا، الممثل السابق لوكالة ناسا الامريكية في أفريقيا وممثل شركة مايكروسوفت في أفريقيا. الأمر الذي أوحى ان الأمريكيين يسعون الى تثبيت أقدامهم في مالي للاستفادة من الثروات المكتشفة وغير المكتشفة في مالي، لا سيما وان الأمريكيين يتواجدون في مالي عبر الشركات الكندية العاملة في البلاد في قطاعات ذات أهمية استراتيجية. بالطبع الفرنسيون يعتبرون انفسهم "أم الصبي" انطلاقا من ان مالي دولة فرانكوفونية، فعادت صحوة الاستعمار الى قصر الاليزية، وبدأت فرنسا تخطط لتثبيت نفوذها بقوة في البلاد ، علما ان النفوذ الفرنسي لم يغب عن مالي، إذ ان أكثر من ستين شركة فرنسية كبرى تعمل في مالي وتتحكم بغالبية ثرواتها ومرافقها الاقتصادية، زد على ذلك فان خسارة مالي بالنسبة لفرنسا تشكل ضربة قاسية للمصالح الفرنسية في غرب أفريقيا ، واهمها استخراج اليورانيوم في النيجر الذي تديره شركة فرنسية. الهواجس الفرنسية ليست اقتصادية واستعمارية بحتة بل ان فرنسا فعلا تتخوف من تنامي الحركات الجهادية في افريقيا لا سيما وان عددا من تلك الحركات ومنها تنظيم القاعدة قد هددوا سابقا بنقل المعركة الى الاراضي الفرنسية، وكما هو معروف فان أعدادا كبيرة من أصول إفريقية وإسلامية تحمل الجنسية الفرنسية وتعيش على أراضيها.

عمر الصلح

المواضيع المنشورة في "منتدى روسيا اليوم" لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر إدارتي موقع وقناة "روسيا اليوم".

المزيد من مقالات عمر الصلح على مدونة روسيا اليوم