دبلوماسية "الركل بالكعب العالي" تشتت موقف إدارة ترامب من الأسد وروسيا.. والإرهاب

أخبار العالم

دبلوماسية نيكي هايلي.. لسان دونالد ترامب في مجلس الأمن!
انسخ الرابطhttps://ar.rt.com/ipax

ألقت التصريحات الحادة للمندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي،بظلال الشك على وحدة الموقف الأمريكي،بعد أن تجاوزت وزيرها ريكس تيلرسون كثيرا بشأن مصير الرئيس بشّار الأسد.

منذ وطأت بكعبها العالي المقر الرئيسي للمنظمة الدولية في نيويورك، تمكنت هذه المندوبة بتصريحاتها غير الديبلوماسية من خطف الأضواء قبل أن تتمم إدارة الرئيس دونالد ترامب الأيام المئة الأولى من عهده. وحجبت المرأة السمراء حتى الآن الدور الذي  يفترض تقليدياً أن يكون مرئياً أكثر لوزير الخارجية تيلرسون باعتباره كبير الديبلوماسيين الأمريكيين.

وثمة خلفية مثيرة لما قالته هذه المندوبة أخيراً خلال مشاركتها في نشاطات اللجنة الأمريكية - الإسرائيلية للعلاقات العامة "أيباك" الشهر الماضي في واشنطن، عن الكعب العالي الذي تنتعله "ليس تعبيراً عن الموضة، بل لأني إذا رأيت الخطأ، سأركلهم كل مرة". ليست هذه المرة الأولى. وهذا الكلام ليس عابراً.

في ظل الغياب شبه التام والمقصود لتيلرسون عن الصورة الإعلامية، ملأت هايلي حيز الفراغ باعتبارها ممثلة دولة عظمى في العالم. فسجلت مواقف تعوزها الدبلوماسية من بعض أبرز القضايا الدولية الساخنة، ولا سيما حيال مصير الرئيس الأسد ومستقبل سوريا ومدى استعدادها للدفاع عن إسرائيل ثم موقفها غير المتوازن من روسيا، إذ سارعت في أول كلمة لها أمام مجلس الأمن، لاتخاذ موقف لا يخلو من العدائية تجاه القرم، مؤكدة أن العقوبات الأمريكية لن ترفع ما لم تتراجع موسكو عن "عدوانها"، قبل أن تكشف يوم الاثنين بأن رئيسها ترامب يدرس فرض عقوبات جديدة ضد روسيا وهذه المرة بسبب سوريا وليس أوكرانيا.

والغريب أنها أطلقت هذه التصريحات قبل يومين فقط من وصول وزير الخارجية الأمريكي إلى موسكو، لعقد أول محادثات له مع المسؤولين الروس منذ تسلمه منصبه في يناير الماضي. والغريب أكثر أن لا أحد يعرف الآن كيف ستتبلور العلاقة مستقبلاً بين تيلرسون وهايلي التي تحاول لعب دور المرأة الحديدية إذا ظلت هي في دائرة الضوء وهو في العتمة، وإذا ما حاولت إلزام رئيسها ورئيس الدبلوماسية الأمريكية بمواقفها وتصريحاتها النارية الحادة.

ويتحفظ الديبلوماسيون التقليديون والسياسيون المتمرسون بمواقفهم خوفا من وقوع صدام علني مع المستجدين على هذه الساحة. لعل هذه هي حال الأمين العام للأمم المتحدة مع المندوبة الأمريكية التي تمثل رئيساً عبّر أكثر من مرة وبصور مختلفة عن مواقف سلبية من المنظمة الدولية. فأمام ضغوط هايلي، اضطر غوتيريس الى التراجع عن قراره في تعيين رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض مبعوثاً خاصاً للأمم المتحدة إلى ليبيا، وإلى سحب تقرير من وثائق لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، الأسكوا لأنه يندد بإسرائيل باعتبارها دولة فصل عنصري، "أبارتهايد". فاستقالت المديرة التنفيذية ريما خلف قبل أسبوعين من نهاية ولايتها، احتجاجاً على ذلك. ولم تترك نيكي هايلي القادمة من الهند والسند مناسبة إلا ودافعت فيها عن إسرائيل بصورة غير مسبوقة من الإدارات الأمريكية المتعاقبة. ولم تتورع عن وصف مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بأنه "فاسد للغاية" لأنه يندد بإسرائيل بصورة متكررة. كأن "اسرائيل أولاً" بالنسبة إليها وليس أمريكا!.

وبسبب مواقفها، اختلف كبار مساعدي ترامب يوم الأحد بشأن السياسة الأمريكية في سوريا بعد الهجوم على مطار الشعيرات السوري، مما ترك سؤالا مفتوحا عما إذا كانت إزاحة الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة أحد أهداف ترامب الصريحة أو المضمرة الآن، بعد الضربات الصاروخية، لا سيما وأن مسؤولين في الإدارة من بينهم هايلي أعلنوا صراحة أنهم على استعداد لاتخاذ المزيد من الإجراءات إذا لزم الأمر.

وأعلنت نيكي هايلي على الملأ أن الولايات المتحدة لديها "خيارات عديدة" في سوريا وإن الاستقرار مستحيل في ظل وجود الأسد في الرئاسة. وقالت في مقابلة مع برنامج (ميت ذا برس) على شبكة (إن.بي.سي) "لا نرى بأي حال من الأحوال سلاما في المنطقة والأسد على رأس الحكومة السورية". وأضافت "علينا التأكد من أننا نمضي في هذه العملية. الحل السياسي يجب أن يأتي في صالح الشعب السوري."

وذكر مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض إتش.آر ماكماستر لفوكس نيوز أن الولايات المتحدة "مستعدة لفعل المزيد" فيما يتعلق بالعمل العسكري في سوريا إذا لزم الأمر. وفيما يتعلق بضرورة إزاحة الأسد عن السلطة قال "لا نقول إننا نحن الذين سنفعل هذا التغيير. "وأضاف "ما نقوله إن على الدول الأخرى أن تسأل نفسها بعض الأسئلة الصعبة. روسيا ينبغي أن تسأل نفسها ‘ماذا نفعل هنا؟!".

وبدت تعليقات هيلي تختلف عن موقف ماكماستر وكذلك عن سياسة وزير الخارجية تيلرسون الذي أوضح أن الضربة الصاروخية الأمريكية كانت تستهدف فقط منع الأسد من استخدام الأسلحة الكيماوية. وقال لبرنامج (ذيس ويك) الذي تبثه شبكة (إيه.بي.سي) "لا يوجد تغيير في موقفنا العسكري" في سوريا. وأضاف، أن أولوية الولايات المتحدة في سوريا هي هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. وإن الولايات المتحدة بمجرد هزيمة الدولة الإسلامية ستصب اهتمامها على محاولة المساعدة في التوصل إلى "عملية سياسية" يمكن أن تحقق السلام في سوريا.

وأوضح تيلرسون "نعتقد أنه من خلال تلك العملية السياسية سيكون الشعب السوري قادرا على تقرير مصير بشار الأسد".

وخلال حملته لانتخابات الرئاسة في 2016 قال ترامب إن هزيمة الدولة الإسلامية أولوية أهم من إقناع الأسد بالتنحي. وانتقد الجمهوريون دعوات منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون لإقامة مناطق حظر طيران ومناطق آمنة لحماية المدنيين.وقال سيد البيت الأبيض في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي "ما يجب أن نفعله هو أن نركز على داعش .لا على سوريا."

وأبلغ السناتور الجمهوري ماركو روبيو وكالة فرانس برس "يبدو أن هناك اختلافا فيما تقوله السفيرة هيلي بأن الأسد لا مستقبل له وما سمعته من وزير الخارجية تيلرسون". وأضاف أن استراتيجية تيلرسون لن تنجح  لأنه "لا يوجد شيء من قبيل... الأسد نعم وداعش لا."

إلا أن  السناتور الجمهوري لينزي جراهام في برنامج (ميت ذا برس) قال إن إزاحة الأسد عن السلطة سيتطلب من الولايات المتحدة الالتزام بزج الآلاف من القوات الإضافية لإقامة مناطق آمنة للمعارضة لإعادة تجميع صفوفها وإعادة التدريب والسيطرة على البلاد.

هايلي البالغة 45 عاماً من عمرها وتتبوأ أحد أرفع المناصب الديبلوماسية في الولايات المتحدة، تتحدث بلغة غير معهودة بين الديبلوماسيين. منحها ترامب منصباً وزارياً هو الأول بين الجمهوريين منذ تولت جين كيركبارتريك مهمة المندوبة الأمريكية الدائمة في الولاية الأولى للرئيس رونالد ريغان. يتردد على نطاق واسع أن المنظمة الدولية محطة رئيسية للمرأة الأولى الحاكمة سابقاً لولاية ساوث كارولينا من أجل التعرف من كثب على السياسة الخارجية بكل أوجهها، ومن ثم الارتقاء الى مناصب سياسية أرفع، في وزارة الخارجية والكونغرس والبيت الأبيض. بل إن البعض لا يستبعد أن تكون المرشحة الرئاسية المفضلة لدى الحزب الجمهوري في السنوات المقبلة، مع أنها تكرر أنها تدرك واقع أنها من أبوين هنديين من طائفة السيخ. من يعرف؟ هذه الولايات المتحدة أنجبت أوباما رئيساً من أب كيني. رداً على بعض التقارير، كشفت أن الرئيس ترامب استدعاها في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 لمناقشة شؤون وزارة الخارجية. لكن خلافاً للتقارير، لم يعرض المنصب عليها، ربما لأنها لم تتمرس سابقاً في أي عمل ديبلوماسي. اختارها للأمم المتحدة.

وعلى غرار رئيسها، تسعى المندوبة الأمريكية لإجراء مراجعات، كل على حدة، لعمليات حفظ السلام الـ16 عبر العالم بهدف خفض مساهمة الولايات المتحدة من 28 في المئة الى 25 في المئة من طريق "ترشيق" قوات حفظ السلام وخفض عدد أفرادها.ويحصل هذا الضغط الأمريكي في ظل مجاعة تطرق أبواب 20 مليون انسان في أربع دول هي اليمن والصومال وجنوب السودان وشمال شرق نيجيريا.
يسجل لهايلي أنها صريحة بقولها إنها تحتاج إلى وقت كي تتعلم كيف تعمل الأمم المتحدة. غير أنها تضطر أيضاً الى تكريس كثير من الوقت للتعامل مع مخاوف الديبلوماسيين من إدارة ترامب العصيّة على كل التوقعات، ولتطمئن زملاءها ونظراءها من أنها لن تستخدم " دبلوماسية الركل بكعبها العالي" معهم.

سعيد طانيوس