نائب وزير الدفاع الروسي.. حول معاهدة الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى

أخبار روسيا

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/700172/

نشرت وزارة الخارجية الأمريكية في الثلاثين من تموز/يوليو تقريرا سنويا حول الالتزام الدولي باتفاقية التحكم بالتسلح، والذي اتهم بشكل خاص روسيا بخرق معاهدة الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى.

وعشية ذلك اليوم، أي في التاسعِ والعشرين من تموز/يوليو، صرح ممثل البيت الأبيض جون إيرنست خلال لقائه الصُحُفيين بأن الولاياتِ المتحدةَ الأمريكية تمتلك معلوماتٍ عن أن الجانبَ الروسي ينتهك بنود معاهدة التخلص من الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى.

واكتظت عمليا وسائل الإعلام الغربية فورا بمقالات حول معاهدة الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى، تتضمن تحريفا للموقف الروسي.

كما أشار مقر الناتو في بروكسل إلى ذلك أيضا. وأجرى الأمريكيون سلسلة من المناقشات مع الدول الأجنبية ساعين لدفعها إلى توجيه الاتهامات المناوئة لروسيا.

نص المقابلة مع أناتولي أنطونوف نائب وزير الدفاع الروسي.

س.: كيف يمكنكم التعليق على هذه الأنباء؟

ج.: إن سريانَ مفعول معاهدة الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى غيرُ محدود بأيِ فترة زمنية. وهي تتضمن آلية النظر في مسائل التزام الدول ببنود المعاهدة. ويجب التذكير بأنه في فترة الحد أو التخلص الحثيث من الصواريخ المنظورة في المعاهدة كانت تُعقد اجتماعات اللجنة المعنية دوريا.

وكانت الأطراف تملك الحق خلالها بطرح أي تساؤل بشأن تنفيذ معاهدة الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى. وتجدر الإشارة إلى أنه رغم كل الصعوبات التي برزت أمام الدول، فإنه لم تكن هناك أيُ مُهماتٍ أو مشكلاتٍ لا يمكن حلها. والدليل الأكبر على ذلك تدميرُ روسيا والولايات المتحدة فئتين من الأسلحة الصاروخية الأكثرِ خطورة.

فماذا جرى اليوم كي لا يستخدم الزملاء الأمريكيون الأدوات التي تتضمنها المعاهدة لحل المسائل العالقة، ولكي "ينهالوا" بالتهم، التي لا أساس لها في الصحافة؟ لماذا كان يجب إقحام الأمين العام لحلف الناتو في هذه القضية؟ علما أن الحلف لا يملك أيَ علاقة بهذه المعاهدة؟

والجواب الذي يفرض نفسه هنا هو أن هذا الكمَّ الهائل من الادعاءات الأمريكية يُعد جزءا من الحملة المناهضة لروسيا، والتي تَشنها واشنطن بسبب الأحداث الأوكرانية. وفي هذه الحرب الإعلامية يستخدم الأمريكيون كل الوسائل الممكنة من أجل تشويه سمعة بلادنا.

فمن الصعب التخلص من الشعور بأنه وباعتبار تراجع علاقاتنا على خلفية الأوضاع في أوكرانيا، تعتزم واشنطن إثارةَ مشاجرة دعائية جديدة تحاول إقحام روسيا فيها. والهدف تصعيد حدة الحرب الإعلامية المحتدمة في الفترة الأخيرة، واتهامنا بعدم التقيد بالتزاماتنا الدولية واختلاق "العزل الدولي لموسكو".

فلو سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى أهداف أخرى لكانت تسوية التوتر القائم ممكنة عن طريق تفعيل الآليات التي تضمنتها معاهدة الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى، وأيضا بوساطة الأشكال الأخرى للحوار. ومن غير المعروف، بالنسبة لي على الأقل، أيُ مثال على إمكانِ حل الخلافات حول الاتفاقات الدولية عن طريق وسائل الإعلام. والممكن فقط بهذه الطريقة تصعيد الأوضاع والسير بالأمور إلى طريق مسدودة.

 

س.: كيف كان يتطور الحوار الروسي الأمريكي بشأن مسائل الرقابة على الالتزام ببنود المعاهدة في السنوات الأخيرة؟

ج.: لم تجتمع اللجنة التي نصت عليها المعاهدة منذ عام ألفين وثلاثة لمناقشة المسائل المتعلقة بتطبيق المعاهدة، وإنما استخدمت أشكال أخرى من المحادثات الروسية الأمريكية.

والمحادثات الموضوعية الأخيرة بشأن معاهدة الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى جرت في نهاية عامِ ألفين وثلاثةَ عشر. وبالمناسبة، فقد نوقشت خلالها تلك المشكلاتُ التي تظهر اليوم في تعليقات المسؤولين الأمريكيين. لقد نظرنا بدقة أكثرَ إلى كل ما يقلق الولايات المتحدة الأمريكية. وأعد المختصون الروس شروحاتٍ تفصيلية والتي، حسب تصريحات الزملاء الأمريكيين، كانت ترضيهم آنذاك. واعتُبرت براهينُ الجانب الروسي كافيةً، وكما هو معروف لنا، استخدمت هذه البراهين من قبل ممثلي الإدارة لإعلام الكونغرس الأمريكي.

ومن جانبنا قمنا بإعداد أسئلتنا إلى الولايات المتحدة الأمريكية (حول استخدام الصواريخ التي تشابه بمواصفاتها تلك التي تَحظُرها المعاهدة كصواريخَ-أهداف خلال اختبارات منظومة الدفاع المضادة للصواريخ، وكذلك استخدامُ الطائرات من دون طيار المزودةِ بالأسلحة ومِنصاتُ الإطلاق من طراز "إم كا- واحد وأربعون" التي يخطط لنشرها في بولندا ورومانيا). ولم نتلقَ أجوبة على معظم هذه الأسئلة، لأن شركاءنا أخذوها لدراستها. وهذه ممارسة شائعة، ونحن مستعدون للانتظار لتلقي أجوبة منطقية.

وما يثير الدهشة هنا أن التقرير الذي نشرته مؤخرا وزارة الخارجية الأمريكية حول الالتزام الدولي باتفاقيات التحكم بالتسلح وعدم انتشار الأسلحة ونزع الأسلحة، يؤكد على أن روسيا في عام ألفين وثلاثةَ عشر لم تطرح أسئلة حول التزام واشنطن بمعاهدة الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى. وعلى أقل تقدير هذا تزوير لحقيقة الأمر.

 

س.: ما هو دور معاهدة الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى في منظومة المعاهدات الخاصة بتعزيز الأمن العالمي؟

ج.: كانت معاهدة الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى أولَ معاهدة دولية في التاريخ في مجال النزع الحقيقي للأسلحة النَووية. ونتيجةً لتنفيذها انتُزعت بالكامل الصواريخ ذاتُ المدى من خمسِمئةِ كيلومتر الى خمسةِ آلافٍ وخمسِمئةِ كيلومتر من التَرَسانات النَووية التابعة للاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. وفي حينها كان الأمر البالغ الأهمية بالنسبة للاتحاد السوفييتي هو أن الولايات المتحدة سحبت من أوروبا صواريخها التي كانت فترة تحليقها الى الأهداف السوفييتية قصيرة. إن إزالة الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى خفضت بشكل ملحوظ من مستوى المواجهة العسكرية وأصبحت عنصرا مهما في تطبيع الوضع العسكري السياسي في أوروبا وفي العالم برمته.

هذا وأثمَرت النتائج العملية الإيجابية لتنفيذ معاهدة الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى عن تفعيل وتسريع عملية المفاوضات البناءة في مجال الحد من الأسلحة، أما الخبرة التي اكتُسبت أثناء تطبيق المعاهدة فانعكست في الاتفاقيات اللاحقة في مجال نزع الأسلحة النَووية، ويتعلق هذا الأمر قبل كل شيء بمعاهدة تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية والحـد منها (ستارت - واحد).

 

س.: هناك معلومات تفيد بأن تبنيَ القرار حول تأييد معاهدة الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى كان يجري في الاتحاد السوفييتي بشكل غير سهل.

ج.: يجب الاعتراف بأن توقيعَ معاهدة الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى لقي ردودَ فعل متباينةً من قبل الرأي العام. حيث كان هناك من أيّد المعاهدة بإصرار، في الوقت الذي كان فيه من رأى أن المعاهدةَ هي مجردُ تنازلات من الطرف السوفييتي واصفا إياها بأنها "تخلٍّ" عن مصالح الأمن القومي. وإن التقييماتِ من هذا القبيل ساهم في ظهورها بدرجة غيرِ قليلة أن الصواريخَ المقرر تفكيكُها تضمنت أحدث الصواريخ السوفييتية من طراز "أوكا" /إس إس – ثلاثةٌ وعشرون/ والتي كان مدى طيرانها أقلَ من خمسِمئةِ كيلومتر، وما زاد من تلك التقييمات هو أن الاتحاد السوفييتي أقدم على تخفيض كمِّي غيرِ متكافئ لتَرَسانته.

بيد أنه وبغض النظر عن بعض النواقص في معاهدة الصواريخ متوسطة المدى وقصيرة المدى، يجب الاعتراف بأهميتها التاريخية الكبيرة.

 

س.: ما هو الموقف الحقيقي الذي يتخذه الطرف الروسي من المعاهدة في الوقت الراهن؟

ج.: صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء لقائه القائمين على مجمَّع الصناعات العسكرية في عام ألفين وثلاثةَ عشر بأن قرار ميخائيل غورباتشوف حول التوقيع على المعاهدة "مثير للجدل، على الأقل"، لكنه أكد التزام روسيا بهذه الوثيقة.

وفي الوقت نفسِه، يجب الاعتراف بأن الوضعَ العسكري والسياسي في أوروبا وفي العالم قد تغير بشكل جذري أثناء العقود الثلاثة الأخيرة.

أولا: اختفى من الوجود حلف وارسو، الذي كان يؤمن توازنا كميا في الأسلحة بين الاتحاد السوفييتي وحلف الناتو.

ثانيا: لا تملك روسيا نفس القدرة العسكرية التي كانت لدى الاتحاد السوفييتي إبان "الحرب الباردة".

ثالثا: كانت الأسلحة الصاروخية متوسطة المدى وقصيرة المدى عام ألفٍ وتسعِمئةٍ وسبعةٍ وثمانين متوفرةً فقط لدى فرنسا والصين إلى جانب الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. أما اليوم فيقترب عدد الدول التي تملك في تَرَساناتها صواريخَ من هذا القبيل من ثلاثين دولة. وتقع غالبية تلك الدول على تخوم روسيا.

لا نستطيع تجاهلَ نشرِ الولايات المتحدة والناتو الدرعَ الصاروخيةَ بشكل نشط، ويتضمن الجزء الأوروبي منه صواريخَ مضادةً يجري بُغيةَ إطلاقها استخدامُ مِنصات إطلاق موحدة من طراز "إم كي- واحدٌ وأربعون"، والتي تستخدمها القوات البحرية الأمريكية لإطلاق الصواريخ المجنحة بعيدةِ المدى من طراز "توماهوك".

لم يتغير شيء عمليا من ناحية تأمين الحماية للولايات المتحدة في فترة سريان مفعول معاهدة الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى، حيث تتموضع كل مناطق النزاع في العالم والتي للولايات المتحدة يد فيها، تتموضع على بعد كاف عن الحدود الأمريكية.

 

س.: كيف حاولت روسيا حل المشكلات التي برزت في أمنها العسكري في الظروف الجديدة، مع الأخذ بعين الاعتبار القيودَ المفروضة في معاهدة الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى؟

ج.: كنا نعرب عن قلقنا مرارا حول حيثيات معاهدة الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى وفي محافلَ دوليةٍ عدة، حيث كانت هناك فقط دولتان عُظميان تتقيدان بالمعاهدة. وكنا ندعو كل دول العالم إلى استخدام إمكانيات المعاهدة لإضفاء طابع الاستمرارية والديناميكية على عملية نزع الصواريخ. وكنا نؤكد أهميةَ تخليص الإنسانية من نوعين من الصواريخ الحاملة للموت.

ومن أجل مواءَمة الاتفاقية مع الظروف المعاصرة، وبمبادرة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تقدمنا إلى الأمم المتحدة في عام ألفين وسبعة باقتراح لإضفاء طابع عالمي مفتوح على المعاهدة، اقتراحٍ بضم كلِ الدول التي تمتلك صواريخَ متوسطةَ وقصيرةَ المدى إلى الاتفاقية. وكنا ننطلق من أنه في حال توقيع اتفاقية مماثلة، فإن ذلك كان يمكن أن يصب في خانة المصالح الأمنية لكل الدول، ويساهم في تعزيز النظام العالمي لمنع انتشار الصواريخ.

للأسف، لم تنل مبادرتنا دعما واسع النطاق. أحسسنا باللامبالاة من جهة دول الناتو، أما البلدان التي حصلت في الآونة الأخيرة آنذاك على مخزون من الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى فإنها لم ترغب بالتخلص منها، معتبرة تلك الصواريخ وسيلةً مضمونة للردع. وحتى أن الولاياتِ المتحدة نفسَها لم تدعمنا في المُضِيِ باقتراحنا قُدُما، واقتصر التزامها حينها في عام ألفين وسبعة في الدورة الثانية والستين للجمعية العمومية للأمم المتحدة ببيانٍ مشترك مع روسيا بهذا الصدد.

 

س.: وما العمل في هذا الوضع إذا؟

ج.: إننا مستعدون لمواصلة الحوار مع الولايات المتحدة، بما في ذلك حول مسائل الالتزام بالمعاهدة. ونعول على إثبات ما قيل أنه مخالفةُ روسيا لالتزاماتها بحقائقَ أكثرَ جِدّيّة من معلومات في شبكات التواصل الاجتماعي، وصورٍ غيرِ واضحة لا تتضمن نقاط ارتكاز طوبوغرافية مصدرها أقمارٌ صناعية تجارية.

ونأمل أيضا بأن لا يحاولَ شركاؤنا الأمريكيون اللجوءَ إلى ألاعيبَ ومكائدَ قانونيةٍ للتهرب من الأجوبة على الأسئلة الروسية المحرجة.