خمسة وعشرون عاما على كارثة تشيرنوبل... العبر والدروس

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/68320/

يستضيف برنامج " حديث اليوم " في هذه الحلقة السيد يوري سارايف المدير السابق لإزالة آثار كارثة تشرنوبل، عضو اكاديمية العلوم الروسية والخبير في مجال الطاقة الذرية.

س - خمسة وعشرون عاما مرت على كارثة تشرنوبل، ما هي الدروس والعبر التي يمكن استخلاصُها من هذه الكارثة؟

ج - نعم، بالفعل خمسة وعشرون عاما مرت على هذه الكارثة، وأهم العبرهي أن التكنولوجيات الحديثة تتقدم وتتطور بجميع المجالات المشابهة من أجل الحيلولة دون تكرار مثل هذه الكوارث. أما الدرس المهم فهو أن نتوخى الحذر وأن ندرس كل شيء من بداية التصميم وحتى مرحلة البناء والتنبؤ بكل شيء قبل بناء مثل هذه المشاريع. بما يخص الطاقة الذرية خلال الخمسة والعشرين عاما المنصرمة تم إجراء دراسات اختبارية كثيرة وتغييرات في مجال التصميم مثل هذه التغييرات رفعت مستوى الأمان في المحطات الكهرذرية، بلا شك أقول من جديد إن العبر والدروس استخلصت من حادثة تشرنوبل.

س - بعد وقوع الانفجار في محطة تشيرنوبل، بقيت معلومات كثيرةٌ عن أسباب الإنفجار سريةً ولم تعلن للمجتمع. اليوم هناك من يقول إنه لغاية الآن توجد معلوماتٌ كثيرةٌ لم يعلن عنها، هل توافقون على مثل هذه الآراء؟

ج - بالدرجة الأولى، يجب الحديث عن أسباب كارثة محطة تشيرنوبل وأريد أن أؤكد أنه لغاية اليوم لا توجد أي أسرار حول هذه المسألة لم تعلن، إذ أجريت جميع التحقيقات في البحث عن الأسبات التي أدت إلى وقوع هذه الكارثة. ومن هنا اتخذت التدابير اللازمة في مجال الأمن النووي ولا توجد أي أسرار كل شيء واضح وصريح. أمر آخر أنه ليس كل المواطنين يعرفون أسباب الكارثة ويمكن أن يقول البعض إن هناك خبراء لم يكشفوا الأسباب الحقيقية لما حدث بالتحديد، لماذا؟ على الأغلب العمليات الفيزيائية التي تجري في المفاعلات النووية هي ذات خصوصيات معقدة ولا يفهمها إلا الخبراء العاملون في هذا المجال، أما الخبراء غير العاملين في هذا الشأن فقد يطرحون احتمالات متعددة وهذه الأفعال والمقترحات لم تكن كثيرة على مدى السنوات المنصرمة إذ أنه لغاية اليوم توجد إقتراحات متعددة في هذا الشأن منها مثلا تأثير الفضاء والفوالق وكذلك التأثيرات الخارجية. ولكن كل ذلك اعتقادات وتخيلات. كل شيء هنا واضح ومفسر وإن الخبراء درسوا بشكل مفصل جميع مراحل هذه الكارثة من هنا تم رفع مستوى الأمان في مجال الطاقة النووية.

س - هذا يعني أنكم تستبعدون العامل البشري في كارثة محطة تشيرنوبل؟

ج - العامل البشري دائما موجود في أي مكان، سأعطيك المثال، أنت تقود السيارة بسرعة محددة تحت أربعين. وترى أنه لا خطر يحيط بك، وترفع من سرعتك إلى ستين أو أكثر من ذلك، ألا يحدث ذلك في الواقع؟ نعم يحدث، لكن عواقب مثل هذا الأمر هي كثيرة وهنا يكمن العامل البشري. فيما يتعلق بالمحطات الكهرذرية هناك مراقبون فنييون مسؤولون عن عمل المفاعل النووي وما جرى في  تشيرنوبل هو أنهم أخطأوا بسحبهم من المفاعل كمية من ممتصات الضغط العالي، هذه الكمية كانت أكبر من الكمية المسموح بها وفقا لمواصفات هذا المفاعل ولا أحد منهم كان يتوقع أن ذلك يجري على مستوى استطاعات ضعيفة التي من شأنها أن تؤدي إلى اضطرابات في عمل وفيزياء المفاعل. وإن ذلك قد يؤدي إلى انفجاره جراء تفاعل بسيط. حتى أن مصممي المفاعل لم يكونوا يتوقعون ذلك، لماذا؟ لأنه في تلك الفترة لم تكن قد أجريت جميع الاختبارات الفيزيائية اللازمة أثناء الاستطاعات العالية والعمل الكامل للمفاعل وتأثير جميع المعايير على ذلك. فقط بعد الكارثة بدأوا بإجراء الاختبارات على المفاعلات الجديدة حيث أنه تجرى دراسات فيزيائية كاملة واختبارات مفصلة لعمل أي مفاعل يصبح أكثر أمنا. هذا هو العامل البشري الذي أقصده، في حينها قاموا بعمليات جعلت عمل المفاعل مضطربا وغير مستقر، وخصوصا خلال الاستطاعات الضعيفة اذ إنه من المعروف أن عمل المفاعل في مثل هذه الأحوال غير مستقر وأقل تحفيز خارجي يمكن أن يؤدي إلى انفجار وهذا ما حصل في تشرنوبل. أيضا إزالة قضبان الحماية ضد الكوارث أدت إلى صعود جزيئات إيجابية وإزاحة أعمدة المياه بواسطة هذه القضبان وهذا كان كافيا من أجل أن ينتقل عمل المحرك من عشرة في المئة من الاستطاعةإلى الاستطاعة الكاملة لينفجر خلال ثانيتين.

س - الخبراء السوفييت قدموا ضمانات بأن الغطاء المحدَّب لوَحدة الطاقة في المحطة الكهربائية متين ويمكن الحفاظ على مواصفاته لثلاثين عاما، مضى منها خمسة وعشرون عاما، برأيكم هل هناك قلق حقيقي يهددنا حتى عام ألفين وستة عشر أي بعد خمس سنوات؟

ج - اختبار الغطاء في تلك الفترة كان سليما وقد بنوه بوتائر عاجلة حينها عمل المصممون والمنفذون في ظروف صعبة، وخبرة خمسة وعشرين عاما تبين أن هذا القرار كان صائبا ونظاما حمائيا جيدا لهذه الوقاية. في أي وضع هو الآن؟ الخبراء الأوكرانيون يراقبون وضع هذا التصميم ولا توجد أي ظواهر تبين أنه يتهلهل. هل تتخيلون ماهية الغلاف المحدب من دون الغطاء؟ هيكل المفاعل طوله سبعين مترا وعلى مربع ضلعه سبعين مترا هو عبارة عن جدران من الخرسانة بالإضافة للحواجز وما إلى ذلك. وكل هذا محاط بهيكل آخر من الخرسانة المحصنة وهو ليس محصن من الخارج فقط بل ومن الداخل أيضا. آنذاك من قام بإزالة آثار الكارثة كانوا قد ضخوا كميات كبيرة من الاسمنت المسلح لإغلاق جميع الثغرات الموجودة في الهيكل. وهو اليوم بمثابة الأهرامات المصرية وستبقى طويلا هكذا لكن بلا شك يجب مراقبته من أجل إتخاذ الاجراءات اللازمة في حال ظهور أي خطر على هذه المنظومة.

س - كيف تقيمون اليوم مستوى الإشعاع في محيط المحطة؟


ج - مستوى الإشعاع في هذا الإقليم اليوم يحدد من قبل الرواسب المشعة التي بقيت من آثار تلك الانبعاثات بالإضافة إلى أنه خلال خمسة وعشرين عاما قد انخفض مستوى الإشعاع لأسباب عدة؟ منها عمر الإشعاع وما الى ذلك. اما الوضع الحالي اليوم فلا توجد أي انبعاثات ملوثة من هذا المفاعل.

س - بعض الخبراء يرَوْن أنه كان يجب الاستفادة مما حدث في محطة تشيرنوبل بعد وقوع كارثة فوكوشيما، لماذا لم يقم بذلك اليابانيون؟

ج - نعم كان يجب عليهم استخدام خبرتنا ولكن الشأن شأنهم إن ما حصل في اليابان هو هزة أرضية وتسونامي حيث لم يكن يتوقع أن يؤثر ذلك بهذا الحجم على المحطة الكهرذرية لكننا يجب أن نكون منصفين بحقهم حيث أن الزلزال لم يدمر الهيكل واستطاع أن يصمد في وجه الإعصار، هذا مؤشر جيد، ما حصل هناك هو شيء آخر؟ أضعف شيء في تصميم المفاعل هو منظومة إيصال الطاقة مثل كابلات الكهرباء والمحولات وما شابه ذلك، أي كل ما يتموضع بالقرب من مبنى المفاعل وهي المحطات الخارجية الداعمة لعمله، إن الموجة التي بلغ ارتفاعها ثلاثين مترا حصدت كل شيء في طريقها. هم أوقفوا عمل المفاعل مباشرة ولم تحدث أي عمليات انشطارية ومنظومة الحماية عملت بشكل أوتوماتيكي ولكن كان يجب مواصلة تبريده فما الذي يفرق المفاعل النووي عن أفران الاحتراق العادية. الوقود النووي المتبقي حتى لو أنه كان قليلا يواصل ولفترة طويلة القيام بالعمليات الداخلية التي ترفع حرارته فلذلك كان يجب تبريده بشكل دائم وإذا أخذنا مجال الخبرة المهنية فما الذي كان يجب عمله منذ البداية هو عدم ضخه بالمياه من الخارج كما فعل اليابانيون، كان عليهم قبل كل شيء إيصال الكهرباء وتشغيل منظومة التبريد اللازمة، هم ضيعوا الوقت الكثير بسبب ارتباكهم، فلو أوصلوا الكهرباء وشغلوا منظومة تبريد المفاعل لكانت ستبقى لديهم مشكلة واحدة وهي تلوث المياه الخارجة عن منظومة التبريد وهنا تلعب خبرة الاختصاصيين دورا كبيرا في كيفية التعاطي مع هذه المشكلة وهذه مسألة قابلة للحل وفق تكنولوجيات معروفة، بهذا الشكل كان يمكنهم تفادي انبعاث التلوث إلى الخارج وهذه القضية لم يقوموا بتنفيذها لغاية اليوم.

س - خطر التهديدات الارهابية في العالم والتغيرات المُناخية المستمرة لا تزال قائمة، برأيكم هل يستطيع العالم  التخليَ عن الطاقة النَووية لتجنب وقوع الكوارث في هذا المجال؟

ج - انتاج الطاقة الكهربائية باستخدام المفاعلات النووية سيبقى خلال المستقبل، وأعتقد أنه خلال الخمسين عاما المقبلة البشرية لن تتخلى عن هذه التقنيات كونها لغاية اليوم تلبي الاحتياجات الكبيرة من الطاقة خصوصا للدول الصناعية، لكن العلماء بشكل مستمر يبحثون عن مصادر جديدة للطاقة بحيث تكون بالقدرة نفسها وتلبي متطلبات البشرية في ظل تزايد الطلب على الطاقة الكهربائية، كما تعرفون هناك مصادر كثيرة اليوم باستخدام الرياح والطاقة الشمسية ولكن هذه المصادر غير كافية، لذلك أقول إنه لا يوجد بديل للطاقة النووية ليومنا هذا.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)