الامير الحسن بن طلال: أنا لا اؤمن بحوار الحضارات لأن هناك حضارة عالمية واحدة

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/67173/

في القسم الثاني من لقاء سمو الأمير الحسن بن طلال رئيس منتدى الفكر العربي مع برنامج" أصحاب القرار" تم تناول القضايا المتعلقة بحوار الحضارات وتطور الأوضاع في بلاد الشام .

 سمو الأمير، يقولون لا يوجد شيء اسمه حوار الحضارات. أيوجد إذاً صراع الحضارات؟ أم أن هذا التعبير والمصطلح أيضاً خاطئ؟

 أذكر بأنني قلت أن هنالك حوار الثقافات، ولكن أعتقد أن هنالك صراعا للمصالح، يقنّع أحياناً بالإشارة إلى صراع الحضارات، ولكني أقول أن المصالح في هذا الإقليم من العالم، تأثرت طردياً منذ بداية القرن العشرين، بأن هذه المنطقة جغرافياً وسياسياً متوسطة، ليس فقط للحضارات وميلاد الأديان السماوية، ولكن الأهم من ذلك ـ في لغة النظام العالمي المادي الجديد ـ للنفط والغاز ومشتقاته، إضافة إلى ذلك القدرة الشرائية الهائلة للسلاح، الذي يحرك دولاب الصناعة العسكرية، ومشتقات تلك الصناعة، في الدول الصناعية الكبرى. فكأنما هذه المنطقة هي البقرة الحلوب، وأما مجاملتنا في قضية التحالف من أجل الحضارات، وما إلى ذلك من مبادرات الأمم المتحدة في هذا الصدد، هي فقط مجاملة شكلية. مؤتمرات ومتاحف وعروض وما إلى ذلك، ولكن لايوجد هنالك من يرغب حقيقة في انضمام هذا الإقليم من العالم ـ على خلفية حضارية ـ إلى ركب الحضارة العالمية، إلا من ينادي بقيام  نظام إنساني عالمي جديد.

بلاد الشام والهلال الخصيب هي منبع كل الديانات، حركة التاريخ بدأت ومستمرة من هناك، ما هو مستقبل هذه المنطقة في ضوء ما تحدثتم عنه، ليس الآن فقط، وفي مناسبات سابقة عن الأصول والولاء، وهذه منطقة تعج بالقوميات، نعم يوحدها اللسان العربي، وتشترك في الإسلام والمسيحية، لكنها من منابع مختلفة. كيف سيكون الحال فيما لو انطلق هذا القمقم... القوميات والأقليات؟

أقول أن هذا السؤال مرتبط أساساً بالحضارة. فأقول إقامة دولة تتجاوز الحدود المعرفة للبنان وإسرئيل، الدروز على سبيل المثال، أو دولة تتجاوز الحدود الحالية للموارنة، أو دولة للشيعة، أو دولة لأي فئة من هذه الفئات. هذه تبقى حقيقة شماعة، أو فزاعة، لمن يقول بأن مستقبل هذه المنطقة بالضرورة ـ وكأنما هي قابلة للتطوير لا محالة ـ ستكون نهاية الأحلام الوحدوية. بين التعددية والتنوع ـ أي بمعنى آخر "احترام الآخر" ـ هنالك معادلة ثقافية حضارية لا بد من السعي إليها، ولكنني أقول أن العدو الخارجي و إسرائيل بالذات، كانت سبباً في طرد أذكى وأكثر الشعوب تأهيلاً في هذا الإقليم من العالم، وهي شعوب بلاد الشام. فنحن "حمالو الأسية" حقيقة ... يعني لا أعتقد مع احترامي أن الموريتاني والخليجي إلا بعد حرب 67 أدرك عمق وهول ما يجري في هذا الإقليم من العالم وخاصة بعد الحرب الكونية الثانية. فأقول إن استعادة حضارتنا هي من خلال توظيف القدرات العربية الهائلة في الداخل وفي الخارج لإعادة بناء الصرح الحضاري العربي، وهذا ممكن.

يعني، هل سنشهد قيام دولة كردية مثلاً في هذه المنطقة؟

السؤال سياسي، ولا أعتقد أن الدولة الكردية تستطيع أن تقوم بالنسبة لجوارها من تركيا وإيران وسوريا وطبعاً موضوع كركوك المستصعب لدى الكرد ولدى العرب. فأقول ـ إذا تجاوزنا السؤال السياسي ـ أن الاستقلال المتكافل ـ الجملة التي وجدتها مناسبة ـ أمر في غاية الأهمية. فجدي الكبير الحسين بن علي،طالب في 1916،  بدولة فدرالية عربية، وطالب من؟ طالب وودرو ويلسون صاحب نظرية تقرير المصير للشعوب. لماذا نستطيع أن نتصور أقصى درجات الفدرالية، وضمن دولة عربية واحدة في إطار الإقليم، هذا كان الحلم الأساسي. قيام الدول كما نعلم، هي من مخلفات الاستعمار، بحدودها الحالية أو التقريبية. أما فيما يتعلق بالشق الآخر من سؤالك، بداية كما أسلفت، لا بد من تطوير الفسيفسائية المبنية على ـ كما يقولون فقهاء الشيعة ـ القياس، أن تضع نفسك مكان الآخر، أن تستطيع أن تنظر إلى الأمور من خلال نظرة الآخر. فالدولة العباسية قامت على أساس التنوع والتعدد، وكذلك الدولة الاموية في الاندلس. لماذا لا نستطيع أن نستعيد هذا التنوع الذي يضفي المسيرة، نعظم الجوامع ـ ما يجمع بيننا ـ ونحترم الفروق.

وهذا الخطر الذي يلوحون به، يعني خطر الهلال الشيعي. هل هو خطر واقعي قائم؟

 أقول أن هناك هلالين حقيقة، هلال في آسيا الوسطى نفطي، وهلال ثاني كذلك، من البحر الأسود إلى مضيق هرمز. فالمسألة ليست هلال شيعي، أو قمر سني، المسألة سياسياً أن هناك منازلة بين حكومات الإقليم، كل حكومة منها، أو كل دولة منها، تحاول أن تضفي شرعية على مشروعها، او على هويتها الخاصة بها. فموضوع السنة لا يقتصر على مذهب من المذاهب الأربعة، فأقول اليوم أنه ربما، الموالك في المغرب، والشوافع في المشرق البعيد، الشرق الأقصى، أقدر على الحديث الموضوعي في الشأن الإسلامي من الذين يواجهون لهيب الخلافات في منطقتنا، وأقول منطقتنا، من بلاد الشام إلى الباكستان والهند.

 سمو الأمير، مرة تحدثتم، أنه فيما لو أتيح لكم أن تترسموا منصباً، هذا لا يكون إلا على أساس الانتخاب. هل نفهم من ذلك أنكم ضد الوراثة الملكية؟

أنا أعتقد أن التوريث، كما يستخدم كمصطلح سياسي ـ وبطبيعة الحال لا فرق بين ملكي وجمهوري في هذه الأيام ـ هي ليست ممكنة إلا في إطار الملكية الدستورية، أو الرئاسية الدستورية. ولكن غياب صفة الدستورية عن الدول الناشئة في الإقليم، تلغي فكرة التوريث من أجل التوريث.

أفهم من ذلك أنكم من أشد المتحمسين لمطلب، يطرح في الشارع الأردني الآن، يسمى إعادة الحياة لدستور الملكية الدستورية، الذي يعطي البرلمان حجماً وصلاحيات أكبر من الملك؟

أعتقد أن المسألة ليست أكبر من الملك، ولكن المسألة هي الملك .... في المملكة المغربية والمملكة الهاشمية، وغيرها من دول المنطقة، اعتقد أن النظام الملكي له صفة، إن أراد الملك أن يمارس السلطة المعنوية. فاللبيب من الإشارة يفهم، كما يقولون. السلطة المعنوية هي، أن يبتعد عن الدخول في تفاصيل الأمور، ولذلك عندما يلقي الملك خطاباً، على سبيل المثال ـ نسميه خطاب العرش ـ في افتتاح البرلمان، لا داعي ـ في نظري ـ أن يدخل في تفاصيل المطالب المحلية. فأقول أن في ابتعاد الملك، وترفعه، هنا يمارس الوزير الأول، أو رئيس الحكومة مسؤولياته تجاه البرلمان، أي ممثلي الشعب. في أن يكون، هو عملياً، الحامي لمؤسسة العرش. فهنالك تكامل طبيعي، إضافة إلى ذلك، هنالك تكامل ثلاثي، ما بين الدولة الرسمية، مدنية أو عسكرية، ومابين قطاع المال والاعمال والاستثمار بطبيعة الحال، إضافة إلى القطاع المدني. فهذا التكامل الثلاثي، هو التفعيل لفعاليات الدولة. ولكن هنالك خلط باللغة العربية بين، كلمة السلطة وكلمة الحكومة، وكلمة الرئاسة، وما إلى ذلك، وكل ذلك على حساب الصالح العام. فأقول أن القاعدة الشكلية واضحة، المصلحة، مصلحة الجميع، غاية الحكم، وهذا يشتمل على الملك، والأجهزة الثلاثة، بطبيعة الحال، والأذرع الثلاثة الدستورية، التنفيذية والتشريعية والقضائية، كما يشتمل على المجتمع المدني، ووجوب إشراك الناس في تحمل مسؤولياتهم، وهو الأساس في بناء نظام أمني إنساني. على غرار مسار هلسنكي على سبيل المثال، الأمن والاقتصاد والثقافة، هنا التكافل.

 ألا تخشون أن هذه الاضطرابات ـ كما قلت ـ في بعدها الأمني في المنطقة، ستؤدي إلى نشوء فكرة قيام وطن بديل للفلسطنيين في أرض الأردن؟

 إذا أسأنا التصرف، أتصور أن موضوع قيام أوطان بديلة في منطقتنا، وأنظمة بديلة، أمر ليس بالصعب، وأقول بان هذه الظروف تعيشها، ليس فقط الدول العربية، ولكن تعيشها جملة دول في العالم ككل. هنالك أكثر من ثلاثين إلى أربعين ظروف حرب متدنية الوتيرة ـ فلنسمها ـ في العالم، ونحن نتحدث اليوم، فأقول أن الموضوع الفلسطيني، وأذكر بأن الأردن عام 1990، نحن أهل الأردن، كان من المفروض أن نكون مليونين ونصف المليون إنسان لولا حرب 67. المقتلعين من ظروف ـ بلا دولة على سبيل المثال ـ من المهجرين داخل الدول، من اللاجئين السياسيين، العراقيين بطبيعة الحال والفلسطينيين، هؤلاء يشكلون بالإضافة إلى العمالة الآسيوية والعربية، يشكلون عبئاً، حيث أن الدولة ـ ربما ـ الآن الأردنية هي ما بين سبعة وثمانية ملايين نسمة، المخطط كان مليونين ونصف. فأقول أن لا بقاء لدولة ما، لبنان، أو سوريا، أو الأردن، أو العراق، أو المملكة العربية السعودية، دونما تنسيق في القضايا الأساسية وهي قضايا الطاقة، والمياه، وإدارة القوى البشرية. فأعتقد أن مثل هذا التصور، يعني إسرائيل شرعت في بداية السبعينات، في الشرق الأوسط، وقد أشرت إلى ذلك عام 2000، بحسب رؤيتي، والمعلومات الدقيقة، وقواعد البيانات السليمة، نحن لقينا القواعد السليمة، وضع البيانات والمعرفة... بين من يحتكم إلى المعرفة، نتيجة تقصي الحقيقة الاجتماعية، فالوهن الموجود هو نتيجة لترهل الحاكمية، والقدرة على التواصل، أو الرغبة وطرق التواصل مع الناس، وأعتقد أن هذه البيروقراطية، هي التي أساءت في نهاية المطاف، لأنها جعلت الكوادر الحاكمة غربية في بلدانها.

وأخيراً سمو الأمير، هل تعتقدون أن هذا أحد أسباب الاحتقان الحاصل الآن في المملكة؟

بكل تأكيد أعتقد، لأسباب داخل الأردن.. ولكن في كل مكان الناس عملياً بحاجة لمن يستمع إليهم ويتحسس أوجاعهم وآلامهم. وكما يقال، الشكوى لذي مروءة يواسيك، أو يسليك، أو يتوجع. فاليوم لو نظرنا لموضوع البناء، الأنظمة التي تفرض تسعيرة ـ بحسن نية ربما ـ تسعيرة الغذاء، لا تستطيع أن تقتحم مخازن من يدخر هذا الغذاء لسعر أفضل، حقيقة أصبح شريكاً في مستقبل المعادلة الغذائية، للشعوب الموجودة في المنطقة، وأعتقد أن قضية الغذاء وحدها، لو أنصفنا المواطن فيها، وذلك من خلال ترتيب إقليمي، وربما الشراء المشترك للحبوب والغذاء، وهذه من الخطوات المفيدة. إنما الآن مع البذار الجين المعدلة التي لا يستطيع الإنسان أن يطرحها مرة ثانية، الزراعة يقضى عليها. فكيف نستطيع أن ننتقل من مجتمع تقليدي زراعي إلى مجتمع صناعي؟ أين الحوافز للقيام بالصناعات الصغيرة المبدعة؟ بلاد الشام مليئة بالإبداع، وبالقدرات الفنية، وكلها مع الأسف مرشحة للهجرة للغرب، وكأنما هذه الهجرة مبرمجة من غيرنا، وليست منا.

هل تشعرون بخيبة أمل، لأنكم كنتم أحد رواد حركة السلام، في منطقة الشرق الأوسط؟ الآن وبعد مرور هذه السنوات، يعني أكثر من عقدين، والسلام الذي تحدثتم عنه، وكتبتم عنه الكثير، وبشرتم به، لم يصل إلى ما كنتم تطمحون إليه؟

أنا لم أكن عراباً للسلام الإقليمي بتفاصيله، لأني ـ الفقير لرحمة الله ـ لست مطلعاً على منظور الدول المختلفة. وكان كما نعلم هنالك دول خاصت التجربة، طبعاً مصر، روسيا، الفلسطينيين، طبعاً الكل يتحدث عن السلام، كذلك السلام العادل فيما يتعلق في لبنان. فعملية السلام كما تسميها، كانت ذات جزئين. الرؤيا المستقبلية بحذر، ونراها بغياب المعلومات والمعرفة الكافية، لا توجد هنالك صناديق للمعرفة في إقليمنا، نتحدث عن ماذا سيحدث في شحة المياه خلال عشرة أعوام، على سبيل المثال، ماذا سيحدث في قضية المقتلعين، كافة المقتلعين، بكل صنوفهم، اللاجئين، والنازحين وما إلى ذلك. لا يوجد من يتكهن في مستقبل الوضع الاقتصادي، والآن نرى مئات المليارات من الصيرفة الإسلامية ـ بين قوسين ـ تودع في بنوك في باريس وفي لندن وفي الولايات المتحدة. من كان يتصور ذلك؟ في غياب صندوق للزكاة العالمي الإسلامي لإقليمنا. لنأخذ بيد فقرائنا، ونمكنهم من العيش الكريم.فهذه كانت الرؤيا، أن الاستقرار سيؤدي إلى التعامل الطبيعي، وإعزاز حقوق الإنسان. ولكن التفاوض كان مقلاً، لأن كل دولة دخلت ـ بطبيعة الحال ـ لتخلص نفسها من التهديد الواضح والمستمر، من قبل المؤسسة العسكرية، وإسرائيل اليوم تطالب بالمزيد من التسليح، والمزيد من الخطط ـ بطبيعة الحال ـ العسكرية في ذهنها تصل إيران أو غيرها.

بيريز أيضاً كان يتخيل شرق أوسط ـ يعني ـ ينعم ويرفل بالسلام، كيف تنظرون الآن إلى أن الرجل ـ رغم كل حديثه العذب عن السلام ـ يعني لا يقوم بأي خطوات الآن باتجاه، إحياء أفكاره على الأقل؟

الرجل واقعي، وصنع سمعته الأساسية، خلال العدوان الثلاثي، سنة 56، وكان أبا للبرنامج النووي، والتسلح النووي الإسرائيلي.. عندما نقارن ـ أتصور ـ وزن جائزة نوبل للسلام، وقيمة التسلح النووي، وخاصة يرى اليوم أن إسرائيل مهددة من جهات خارجية ـ كما يقولون ـ  فبطبيعة الحال سيعود للشخصية الأمنية، ويفضل ذلك على الرؤية، لأننا نحن أيضاً، من جانبنا، لم نقم كعرب، بوضع سيناريوهات للمستقبل، خشية من أن نتهم بالتطبيع.

وهل يعني هذا التطبيع، يعني، تهمة، سبّة؟

هي سبّة لأن هنالك حركة قوية، حركة لا عنف ـ اللهم ـ لمقاومة التطبيع، ولكنني أقول أن أية أمة لا تستطيع أن تعيش ـ إذا أرادت أن تلعب سياسة، كما يقولون ـ  دون طرح رؤيا، بغض النظر عن بيريز، أو عن شخصي، ونحن لسنا ذو أهمية، في الحسبان، ما هو مهم هو مستقبل الأجيال القادمة. أنظر إلى قضية الفقر، وإلى قضية المجاعة العربية، وتذكر أن، من هنا ولعشر سنوات، هنالك مئات الملايين، في سن ما بين 19-25 سنة ينتظرون فرص عمل، ينتظرون لقمة عيش. فالتغير سيكون جذرياً ويؤثر على كافة الصوامع المعزولة عن الواقع.

لفت نظري، وكنت في زيارة لبيت أحد الأساتذة الجامعيين، في القدس، وهو يهودي من أصل عراقي، أن بيته حافل بصور بغداد القديمة، وصورة لسموكم في منزله، ولم أجد صورة لزعيم إسرائيلي. هذه المحبة ـ وتحدث عنكم بإعجاب كبير ـ هل لأنكم تمثلون ـ فلنقل ـ النظرة التسامحية القديمة، حين كان يتعايش العرب، يعني المسلمون واليهود في الأحياء والأزقة والزنقات العربية؟

الزنقات العربية … أقول أن ذكريات بغداد، هي ذكريات تجمع بيننا. وأقول أني درست مع أساتذة يهود، أساتذة لغة عربية، في الجامعة في مطلع الستينات. وأقول أنني عندما حزت على جائزة الدولة من جامعة لومونوسوف، كانت هذه من الذكريات التي تبادلتها مع أساتذة في موسكو. فأقول أن هذا التواصل الروحاني هو أساس الحوار الثقافي. أنا بالمناسبة لا أؤمن بحوار الحضارات، لأني أعتقد أن هنالك حضارة عالمية واحدة متحركة، ومتأثرة ومؤثرة، وهنالك حوار قيم. وأعتقد أن حوار القيم هذا يبنى أساساً على الشغف، وعلى الكلمة. فهؤلاء الأساتذة ـ لا تحضرني الأسماء الآن خلال اللقاء ولكن ... ـ زملائي منذ أن كنا تلاميداً، وعندما دخلنا في فترة حرب الـ67 لم نسئ لأحد بكلمة. كان البرج العاجي الجامعي يجمع بين اليهود والعرب، على الرغم من الألم الشديد. أعتقد أن مثل هذه الموضوعية، ذلك الخلاف الذي لا يذهب للموضوعية قضية، مبني في الأساس في نسيم أجواء بغداد والقاهرة، ومدن الثقافة العربية التي لا بد من أن نعيد حضارتها إليها.

 على ذكر شوارع بغداد، وشوارع القاهرة، وأزقة وزنقات ليبيا، وكل المغرب والمشرق. ألا تشعرون الآن بأن مشروع تفتيت هذه الدول قد بدأ بالفعل؟

التنبؤ بمثل هذا الأمر والاستباقية، الحديث عن التشرذم، كما كان في السودان ـ على سبيل المثال ـ أو في الصومال، وفي أماكن مختلفة من الساحة العربية، هو ديدني منذ سنوات، وأنا اكتب في هذا المجال. أنظروا إلى أن القومية العربية أصبحت الآن كدافع أساسي للحركة، وأنا قومي من حيث التعريف، وريث معرفي، لحركة نهضوية، لا أستطيع أن أخرج عن هذا التصور، ولكن بالنسبة لغيري، أتصور هناك ملايين، لم يعيشوا إلا الظروف الضيقة، نتيجة  ذكرنا لامعرفة، إذا كانت المسألة ليس ما تعرف، ولكن من تعرف؟ المسألة ليست كيف تعمل ضمن الدولة الممأسسة، لكن كيف تستخدم المؤسسات للتسلق، للوصول إلى حقوق غير مشروعة، أتصور أننا عودنا الناس حقيقة على الوصول إلى هذه الحقوق، أو هذه المكتسبات دونما اهتمام بالشرعية والنواميس الناظمة لحياتنا. فليس من المستغرب أن أحياءً تقوم على بعضها البعض، ضواحي داخل مدينة واحدة، الغني على الفقير، وأغنياء الحظ الجدد على حساب المواطنين الاصليين، فهذا حقيقة جزء من الفوضى العارمة التي قد تؤثر على هذه المنطقة، إن لم نستطع أن نقيم مظلة جديدة من خلال الرؤيا. أين نحن من نهضة 1916؟ أين نحن من الحرية المسؤولة؟ هذا هو السؤال.

سمو الأمير الحسن بن طلال المفكر، ورجل الدولة، ورئيس منتدى الفكر العربي، شكراً جزيلاً لكم على هذه الإضاءات. ولكم أعزائي المشاهدين، أطيب التحيات، وهذا سلام مسافر يحييكم، من العاصمة الأردنية عمان.

( يمكن مراجعة القسم الاول من الحديث في برنامجنا)

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)