المحلل السياسي بوريس كاغارليتسكي: الازمة الاقتصادية ساهمت بخلق الثورات في العالم العربي

أخبار العالم العربي

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/66417/

ضيف هذه الحلقة من برنامج "حديث اليوم" المحلل السياسي بوريس كاغارليتسكي، مدير معهد دراسة العولمة والحركات الاجتماعية في روسيا.

موجة الثورات والاضطرابات في العديد من الدول العربية هل تعتقد أنَّ هناك وجودَ أيادٍ خَفية تُحرّك هذه الاضطرابات أم أن ما يجري هو انفجارٌ شعبي داخلي؟
أولا، الحديث عن وجود مؤمرات وقوى سرية وراء الكواليس يبرهن على شيء واحد وهو الانحطاط الشامل في  السياسة الروسية بحيث لا يستطيع معظم المحليين السياسيين قراءة او فهم العلاقة بين العمليات الاقتصادية الاجتماعية الجارية في العالم.. لكنهم  دائما يحاولون الحديث عن وجود أي قوة إلهية أو سرية تحرك العمليات السياسية، مثل الشعوب الوحشية القديمة التي لم تفهم مصدر الرعد والبرق واعتقدت أن زيوس إله السماء هو من يرسل البرق إلى الأرض. هذا هراء!! مستوى الذين يتكلمون عن المؤامرات هو مستوى بربري متخلف. في الحقيقة الجواب موجود وواضح هنا وليس في مكان آخر .  هناك عمليات اجتماعية جارية في المنطقة وهناك أزمات سياسية واضحة وهناك تفكك في الأنظمة السياسية الحالية. السؤال الوحيد المطروح هو لماذا حدث كل شيء الآن وليس في السابق؟  برأيي إن الأزمة الاقتصادية العالمية وخاصة الأزمة الغذائية، أدت إلى زعزعة استقرار النظام الحالي ولم يكن مفرا من ذلك. ولا نعرف أي مناطق ستكون الآتية؟ يمكن أن نفترض أن نفس الاحداث ستجري في دول غير عربية أنا متأكد من ذلك.  لماذا العالم العربي؟  لأن اقتصادات هذه البلاد ليست  متنوعة وتعتمد على قطاع واحد أو اثنين وهذا من عيوبها، وثانيا الأزمة الغذائية لعبت دورها حيث أن القطاع الغذائي في تلك البلاد ضعيف ولا يستطيع تلبية احتياجات كل المواطنين. لذلك فان التغيرات في السوق العالمي تؤثر كثيرا في  السوق الغذائي المحلي فورا.

كيف برأيكَ ستنعكس هذه الأحداث على مستقبل العالم العربي؟
اليوم من الواضح تماما أن مستقبل المنطقة العربية سيختلف جذريا عن الواقع الراهن. وإذا استمعنا الى المناقشات الحيوية التي تجري الآن في العالم العربي فان ما يلفت النظر هو فكرة الاتحاد العربي والنهضة بمعنى إحياء الوحدة العربية واستعادة دور مصر كزعيم للعالم العربي  كما كان الحال في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن الماضي. لكن هذا يمكن ان يتحقق فقط في حال شهدت مصر اصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية جذرية والنخب السياسية المصرية ليست مستعدة للعب هذا الدور، ويجب تغيير النخب السياسية لتحقيق هذه المهمة. ما نراه اليوم في مصر مثلا وفي دول أخرى، هو أن الشعب الذي يعتبر من الرعاة؟؟ يريد أن يتحول إلى شعب حاكم ليكون هو من يحدد السياسية. المصريون لا يريدون أن يعيشوا وفق التقاليد الأوروبية لكنهم يريدون نفس الاحترام لحقوقهم وهذه نقطة مبدئية في الحياة  السياسية لهذه المنطقة. طبعا لا نتكلم عن العودة  إلى أفكار جمال عبد الناصر لكنها عودة إلى موضوع الوحدة العربية لفترة ما بعد الاستعمار الاجنبي. فكرة عبد الناصر لم يتم تنفيذها لكن العالم العربي يحتاج في رأيي الى فكرة الوحدة العربية سياسيا واقصاديا وثقافيا.

ما يجري في ليبيا اليوم يختلف تماما عن السيناريوهات السابقة مثل تونس أو مصر ما احتمال سقوط نظام القذافي؟  
ليس هناك شيء استثنائي أو غريب في السيناريو الليبي لأن الثورات لا تجري على نفس الطراز دائما فهي مختلفة. هناك فرق بين الثورة في فرنسا في القرن التاسع عشر حيث  حققت الثورة اهدافها بسرعة بعد الانتفاضة الشعبية في باريس التي استمرت عدة أيام فقط، وبين الثورة في إسبانيا التي حملت في طياتها حربا اهلية وميولا انفصالية في الأقاليم وكذلك الصراعات بين الأحزاب.  وما جرى في اسبانيا يشبه تمام ما يجري في ليبيا اليوم وأعني أن الأحداث في مصر وليبيا مختلفة مثلما اختلفت الاحداث بين فرنسا واسبانيا في القرن التاسع عشر. أما مستقبل ليبيا، فالجميع يتحدثون عن الجانب العسكري من القضية فقط  ويحصون دبابات القذافي أو بنادق المعارضة. يناقشون الغارات الجوية وامكانية انزال مشاة البحرية الأمريكية. هذه المسائل كلها مسائل إضافية من الدرجة الثانية . لكن المسألة المبدئية تتمثل في أن الانظمة الاقتصادية الاجتماعية التي كانت معتمدة في الجماهيرية فشلت وإعادة بنائها مستحيل. كما فشلت العلاقات الاقتصادية الاجتماعية القائمة بدرجة كبير على عمل العمال المهاجرين، وفكرة المثلث حين كانت الشركات الغربية تسيطر على القطاع النفطي بالكامل من ناحية، والقبائل تسيطر على السلطة بكل بيروقراطيتها من ناحية أخرى،  والعمال المهاجرين الذين يعملون وينتجون من ناحية ثالثة. ونرى في نفس الوقت الليبيين أنفسهم الذين بقوا على هامش هذا المثلث خارج اللعبة إذا صح التعبير. هذا النظام لا يمكن اعادته حتى لو ان القذافي تمكن من قتل كل المعارضين. هذا النظام الجماهيري محكوم عليه بالموت.

كيف تقيم امكانية بدء العملية البرية لقوات الناتو في ليبيا؟
هنا يمكننا أن نتذكر أحداثا تاريخية مشابهة، التدخل العسكري الأول الذي قامت به الولايات المتحدة تم عام 1989 بعد الانتفاضات الشعبية في كوبا والفيليبين اللتين كان الإسبان يقمعهما. الولايات المتحدة اعلنت أنها ستتدخل في شؤون هذين البلدين دون أي مصلحة  خاصة بها وانها ستساعد شعوب كوبا والفلبين من أجل تحريرهما. وكما نعرف بقيت في الفلبين وفرضت حكومة تابعة لها في كوبا. وفي كلا القضيتين انتهى الأمر بالنزاع مع المعارضين الذين كانت  واشنطن تسعى لمساعدتهم في البداية.  الوضع في ليبيا مشابه إلى درجة ما لأن المعارضين والقذافي لا يريدون التواجد الأجنبي في بلادهم لأنه في  حال تحقق هذا التواجد فان ذلك يعني أن الامريكيين سيسرقون الانتصار منهم. ولذلك التدخل الأمريكي سيعني بالنسبة للولايات المتحدة خطر الحرب على  جبهتين. لكن من جانب آخر ، تدخل القوات االغربية البرية جائز في المرحلة النهائية عندما تقترب قوات المعارضة من العاصمة طرابلس وذلك  من أجل المشاركة في وضع النقاط على الحروف ولكي تكون الكلمة الأخيرة للغرب. ولكن هذا السيناريو مجرد افتراض فقط.

 كيف تعلق على موقف روسيا بشأن الملف الليبي؟
لا أرى موقفا روسيا واضحا لأن النخب السياسية منقسمة وهذه حقيقة واضحة شهدناها من خلال التصريحات الأخيرة . على ما يبدو أن  النخبة السياسية الروسية ليس لها استراتيجية بعيدة المدى تجاه ليبيا. برأيي ستسير روسيا في اتجاه غربي في هذا الملف مع محافظتها على رأيها الخاص في ذات الوقت.

هناك موجة جديدة من المظاهرات في اليمن والأردن وسورية؟ كيف تنظر إلى الأحداث في تلك البلاد؟
في رأيي هذه ليس ثورات جديدة لكنها ألسنة لهب للثورة الكبرى في منطقة الشرق الأوسط، هذه ثورة في المنطقة كلها مثل الثورة الكبرى في دول أوروبا في عام 1848. من الطبيعي أن تجري العملية الثورية بقفزات، وتشهد هدوءا نسبيا في مكان  ما وتتصاعد في مكان آخر. من الطريف أن هذه الموجة اجتاحت بلدانا متخلفة ومتقدمة على حد سواء في المنطقة ونفس العمليات تجري في بلدان تختلف عن بعضها البعض اقتصاديا واجتماعيا. مثلا سورية أمر طريف جدا.  ثلث سكان سورية مسيحيون وتعتبر من البلدان المتقدمة في المنطقة العربية تتمتع بتعدد الثقافات والآراء. والنظام السياسي في سورية مع أنه ديكتاتوري الا أنه تأثر بأوروبا، يحاول تقديم نفسه كنظام أوروبي في الشكل مع أنه يستخدم الوسائل الديكتاتورية عمليا. ويشبه كثيرا ليس الأنظمة الديكتاتورية العربية بل الأنظمة الأوروبية الديكتاتورية في منتصف القرن العشرين. سنشهد تطورا سريعا للاحداث في هذه البلاد  وإذا سارت سورية على طريقة مصر فان ذلك سيعني تغيرا هائلا  بالنسبة للمنطقة بأسرها. لكنني أظن أن نظام حزب البعث لن ينهار مثلما انهار نظام حسني مبارك لكنه سيحاول الدفاع عن نفسه وسيتراجع بخطوات صغيرة وسيقدم تنازلات في كثير من الأشياء، لكن السيناريو سيختلف عن السيناريو المصري دون شك.

في ظل الاحداث الجارية في العالم العربي، ما هي فرص تولي الاسلاميين الراديكاليين السلطة؟
الإسلام الراديكالي هو من الأساطير القديمة الموجودة في الوعي الاوروبي. واللافت أن كل الديكتاتوريين في الشرق الأوسط يخيفون أوروبا بهذه الصورة . لكن في حقيقة الأمر الإخوان المسلمون مثلا ليسوا بالأسلاميين الراديكاليين في أيامنا هذه بل هذه حركة إسلامية محافظة منقسمة إلى أربعة أو خمسة تيارات  ترى مستقبل مصر بطريقتها الخاصة. وعندما تبدأ المناقشات السياسية الجدية يتضح أن واحدا من الإخوان يتكلم مثل الليبراليين والثاني يختلف موقفه تماما ونرى أنه ليس هناك وحدة في الآراء والمواقف في هذه الحركة التي تتكون من تيارات مختلفة  تعبر عن آراء متعددة من الليبرالية حتى الإسلامية المتطرفة، اليسارية واليمينية والمركزية دون استثناء. في الحقيقة ما يجري هو إضفاء الطابع العلماني على المجتمع الإسلامي. الناس يمكن ان تتمسك بالإسلام كعقيدة وبقناعاتها وفلسفتها لكن الإسلام كنمط للحياة يتغير. المسيحية كانت نمطا لحياة للأوروبيين منذ مئة وخمسين عاما لكننا نرى الآن أوروبا أخرى مختلفة تماما.  برأيي ان الإسلاميين الراديكاليين لن يتولوا السلطة لكننا سنرى توجها من قبل الإسلام نحو  العلمانية.

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)