خبير اقتصادي : أن السلطة تخسر استراتيجياً عندما يسيل الدم حتى ولو انتصرت آنياً

مال وأعمال

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/66046/

أشار د. يوري شافرانّيك رئيس مجلس إدارة اتحاد منتجي النفط والغاز الروس الذي استضافه برنامج " حديث اليوم" الى عواقب الاحداث الثورية في بعض الاقطار العربية بالنسبة الى تطور هذه البلدان وتأثيرها في سوق النفط العالمية. وقد اجاب عن اسئلة مندوبنا:

س: سيد شافرانيك، يشهد العالم العربي اليوم احداثاً واضطرابات ذات آثار كبيرة وبعيدة المدى.. كيف تقيم ما يجري في المنطقة العربية وما هي انعكاسات ذلك على سوق النفط وأسعاره؟

ج : ما تشهده اليوم المنطقة العربية من شرقها إلى غربها هو تطورات غير اعتيادية وطويلة الأمد.. أعتقد أنها ستستمر طيلة العقد المقبل.. بلا شك، فكل دولة لها خصوصيتها، وبالطبع لا يمكن الحديث عنها وتقييمها عبر مدخل واحد.. كذلك لا يمكن النظر إليها من مدخل أو منظور الأوروبي.. ومع ذلك، هناك عدة نقاط أود الإشارة إليها، وهي مسائل تعني كل تلك الدول.. أولاً:  المطالب التي يطرحها المواطنون من جهة تغيير هيكلية وطابع السلطة.. كذلك، يجب أن نقر بوجود تأثير من الخارج.. يمكن أن تبدأ قوى معينة من الخارج باستغلال تلك التطورات.. إلا أن تلك التطورات قد ظهرت في الداخل.. وأنا لم أفاجأ بما جرى في مصر مثلاً.. أما أحداث تونس وغيرها من الدول ففوجئت بها.. وربما هذا حال غيري من الخبراء.. ومع ذلك، أعود وأقول إن المسألة الأولى والتي تشترك فيها تلك الدول، هي المطالبة بتغيير هيكلية وطابع السلطة..
أما النقطة الأخرى التي أود طرحها، فتتعلق بما يمكننا أن نقترحه نحن بصدد ما يجري.. ورغم كون مسألة تقديم النصح مسألة شائكة إذا ما صح التعبير.. بيد أنه من جهة أخرى، أعتقد أن روسيا ونظراً لما مرت به من أحداث دراماتيكية في القرن العشرين.. ولما عشناه في العقد الأول من هذا القرن أيضاً.. بسبب كل ذلك، ربما تكون روسيا قد استحقت الحق بتقديم النصح.. وأنا لدي عدة نصائح رئيسية: الأولى، موجهة إلى السلطة.. فالسلطة عليها أن تستبق الأحداث، وأن تشعر بما يحدث وألا تتمادى.. وهذه هي النصيحة الأهم بنظري.. لو أن مبارك وفي اليوم الأول قد تفهم أنه أطال الجلوس على كرسي السلطة، واستمع إلى مطالب الشارع.. واتخذ قراراً.. ربما كان ذلك سيسمح بتأمين انتقال سلس للسلطة كما حدث في تونس مثلاً.. أما وأنه قد فوت اللحظة.. فحصل ما حصل.. على أية حال، كان يتوجب عليه منذ عشرة سنين أو خمس على الأقل الالتفات لذلك..

النصيحة الثانية، موجهة إلى الشعوب بكافة مكوناتها وفئاتها.. من اليسار واليمين.. اغنياءاً وفقراء.. يجب عدم السماح بأي شكل من الأشكال، الانحدار إلى الحرب الأهلية والصدام المسلح.. لأن السلطة ستخسر استراتيجياً عندما يسيل الدم حتى ولو انتصرت آنياً.. كذلك فإن المعارضة التي ستتبوأ السلطة بقوة السلاح ستقع في مطب الثورة التي تأكل أبناءها كما يقال.. أعتقد أن هذه النصيحة الرئيسية قد تلقى آذاناً صاغية..

أما فيما يتعلق بالنفط، أعتقد أن الأحداث في المنطقة العربية لها تأثير على أمن الطاقة العالمي وطبعاً على الأسعار التي نرى ماذا حل بها.. ومع ذلك يجب أن تتم مراعاة التالي..
بالنسبة للمستوى الراهن لتطور الاقتصاد العالمي، هناك حجم كاف من الموارد النفطية.. لذا فإن التهاب الأسعار مدفوع بعنصر المضاربة.. بالطبع، فإن الأحداث الجارية تفرز مخاطر تقيمها السوق وتتأثر بها الأسعار.. إلا أن ذلك لا يعني أنه يوجد نقص في كميات النفط..
أعتقد أنه إذا لم تنحدر الأمور في دولة ما إلى ما عليه في ليبيا.. فإن تأثير ذلك على السعر سينحصر فقط في تقييم الخطر الذي أشرت إليه.. لذا سأبتعد عن الدراماتيكية.. وأقول إن العالم سيتخطى ارتفاع سعر النفط الناجم عن أحداث لا تصل فيها المسائل إلى الصراع المسلح.. بالمناسبة، فإن الاقتصاد العالمي لن يشعر بالراحة مع أسعار عند مستوى مئة وعشرة دولارات للبرميل.. أما إن ارتفاع السعر إلى مئة وخمسة وعشرين أو مئة وثلاثين دولاراً..فهذا سيئ للاقتصاد العالمي..

س : قبل مدة وجيزة، قال وزير المالية الروسي ألكسي كودرين إن سعر النفط يمكن أن يصل في الأمد القصير إلى مئتي دولار للبرميل.. هل تتفق مع ذلك؟

ج : سأضيف على ما قاله المسؤول الروسي، وأشير إلى أن أي تحليق للسعر سيتبعه هبوط لا محالة.. للأسف بالنسبة لروسيا.. لذا فإن احتدام المسائل في أماكن أخرى على غرار ما يحدث في ليبيا، يمكن أن يدفع الأسعار إلى التحليق.. ولكني لا أعتقد أن الأمور ستسير وفق هذا المنحى.. أرى أن السلطات في تلك الدول تتخذ إجراءات، ومع ذلك فالمشكلات ستبقى... ولكن أكرر، إذا لم تتجه الأمور إلى الحرب الأهلية وقصف الطيران.. فإن ارتفاع الأسعار سيكون قصير الأمد..

س: هل تعتقد أن شركات الطاقة الروسية التي كانت تعمل في ليبيا، لم تقدر حجم تطورات.. وما مدى تأثر شركات كغازبروم مثلاً بالأحداث هناك ؟؟ وكيف ترى مستقبلها في هذا البلد حال حدوث انتقال للسلطة؟

ج : أعتقد أن الشركات الروسية التي تخرج للعمل في الأسواق الدولية لا تولي الاهتمام اللازم لتقييم الأوضاع في تلك الدول من جهة تحليل النهج السياسي الخارجي للبلد، والمخاطر هناك وما إلى ذلك.. وتلك هي الحال بدءاً من العملاقة غازبروم وهبوطاً إلى شركات أقل شأناً.. وبالطبع فإن الشركات تأثرت بالأحداث في ليبيا، ولكن شركة مثل غازبروم ستتخطى ذلك بالطبع..
أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال، فهل يعني تغير السلطة تغير المعاملة التي تتلقاها الشركة؟ أعتقد أن ذلك يحدث عند انتقال السلطة.. وتغير المعاملة يمكن أن يكون تارة يسيراً.. وتارة قاسياً.. والشركات عندما تخرج للعمل في دول أجنبية، تقيم هكذا احتمالات من حيث المبدأ.. فمشروعات النفط والغاز طويلة الأمد، عشرين عاماً كحد أدنى.. لذا فالشركات تتفهم أن المخاطر في غضون خمس سنوات ستختلف عن المخاطر عند الدخول في المشروع.. لذا فالشركات تكون مهيأة لمثل تلك الأمور..

س : حسناً، وماذا بشأن نشاط شركات النفط والغاز الروسية في دول أخرى كالعراق مثلاً على خلفية الظروف التي تشهدها المنطقة حاليا؟

ج : للعراق وضع خاص.. وله خصوصية متميزة على خلفية ما يجري في المنطقة.. أود القول إن نشاطي المتعلق بالعراق يعود إلى نحو عشرين عاماً.. وقد وقعت في حب هذا البلد وشعبه.. وزياراتي للبلد شملت كافة الأماكن الخطرة هناك.. وهي لم تنقطع خلال المراحل الصعبة والخطيرة التي مر بها.. وخلال ذلك، شعرت بارتياح في التعامل مع العراقيين.. بدءاً من الشعب البسيط إلى شيوخ العشائر.. كما لمست تعاملاً حسناً بوجه عام اتجاه روسيا.. من جهة أخرى، فإن مفاهيم مثل الائتلاف، تمثيل كافة فئات الشعب، الانفتاح.. كلها باتت من المكاسب التي تحققت..وللأسف عبر مخاض أريقت فيه الدماء.. إلا أنها تحققت وباتت من الصفات التي يمكن أن نطلقها على السلطة الحالية هناك.. كذلك، أرى أن قيادة السيد المالكي وحكمة الرئيس طالباني وتعاظم وزن الحكومة الائتلافية.. كل ذلك يقود بخطى متتابعة إلى التوافق السلمي.. وأنا واثق من أنه على خلفية ما يجري، فإنه ضمن العراق تحديداً تتوفر قاعدة سياسية للتطور السليم للسلطة تحت قيادة الائتلاف الحكومي.. أنا أقدر عالياً الزعماء الذي يضمهم الائتلاف الذين انضموا إليه في تلك المرحلة الحساسة وقدموا تنازلات من أجل الشعب.. هذا شأن عظيم بنظري..
في هذه الظروف، وبناءاً على خبرتي الطويلة هناك.. أرى أن ما يحتاجه العراق حالياً، هو آلاف من المشروعات الصغيرة والمتوسطة.. ولأجل ذلك، يتوجب إعطاء حرية أكبر للمحافظات.. لأن الشعب هناك يتوق للعمل.. للسكن وما إلى ذلك.. فعدم الرضى هناك مصدره ليس السلطة، بل نقص الكهرباء والتعليم والرعاية الصحية.. يجب التعامل مع هذه المسائل ذات الطابع الاقتصادي، وهذا أهم ما يتوجب عمله بنظري.. وأقول ذلك بتفائل من أن تلك التركيبة المعقدة للسلطة في العراق، تمثل ما ذكرته سابقاً من صفات.. صفات ستتطلب سنوات من أجل الوصول إليها من قبل الدول الأخرى في المنطقة التي ينتظرها امتحان في السنوات القادمة..
وضمن العراق، وبغض النظر عن المشكلات والمخاطر الامنية التي تثيرها القاعدة وغيرها من القوى ذات الدور غير البناء.. باستثناء ذلك الأوضاع معقولة بالنسبة لنشاط قطاع الاعمال.. ويجب الآن اعطاء حرية اقتصادية أكبر للمحافظات.. فقد سمح القدر الكافي من الحرية لكردستان في السنوات الأخيرة، سمح له بتنفيذ مشروعات واقعية.. والمطلوب أن تحوز محافظات مثل البصرة والناصرية وغيرهما على قدر أكبر من الحرية الاقتصادية..
خبرتنا الخاصة تفيد بذلك، فقد أطلعنا رفاقنا العراقيين على مشروعاتنا في هذا الصدد، وزاروا التجمعات السكنية الصغيرة حول مكامن النفط في سيبيريا، والتي تؤمن حلولاً شاملة من جهة استثمار المكامن وتأمين متطلبات للطاقة هناك، وبناء المساكن وإنشاء البنية التحتية الاجتماعية.. فكل شئ متوفر للعاملين هناك ولأسرهم.. لقد اطلع العراقيون على نجاح هذه المشروعات في سيبيريا.. لذا فالعراق بنظري يحتاج لمثل هذا المدخل الشامل عبر إنشاء البنى التحتية بقرب المكامن الصغيرة، أي تأمين معيشة عشرات آلاف الاشخاص..  أما مشروعات النفط والغاز الكبيرة فهي أضيق من ذلك، لأنها تركز على استثمار المكمن بالدرجة الأولى..

س : حسناً، ولكن مسألة توسيع الحرية الاقتصادية للمحافظات أو الأقاليم.. ذلك موضوع شائك إذا ما صح التعبير.. والكثيرون في العراق، لا يودون تكرار السيناريو الكردستاني كما تعلم..

ج : أعتقد أن عدم الرغبة في رؤية السيناريو الكردستاني يعيد نفسه.. نابعة من خصوصية كردستان.. أما لو كان الأمر يتعلق بالناصرية مثلاً، فربما كان ذلك سيرحب به.. وأعتقد أنك محق في طرح هذه المسألة، ونحن لا ندعو إلى تطبيق ما نقوله بحذافيره.. ما أعبر عنه، هو رؤيتي لاحتياجات العراق وشعبه.. فيوم العصيان في الخامس والعشرين من فبراير الماضي.. لم تكن السياسة الباعث له، إنما نقص الكهرباء والرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل.. وبالطبع فكل حكومة تقرر بنفسها كيف تعالج المشكلات وكيف تحلها بسرعة.. وقد تتبع منهجاً خاصاً في ذلك ضمن كل محافظة وذلك وفق خصوصية البلد ومناطقه المختلفة.. فهناك محافظات يتوجب فيها إعطاء حرية اقتصادية أكبر على وجه السرعة، لإنعاشها فوراً.. إذا ما تم ذلك.. يمكن للسلطة المركزية بعد أن تزداد قوة أن تعود وتعيد التوازن بعد سنوات.. أقول ذلك مستعيداً حالتنا في روسيا.. فلو لم نمنح حرية اقتصادية أكبر خلال فترة التسعينات لكثير من المناطق الروسية، لكان ربما وضعنا اليوم أسوأ.. بالمناسبة، فقد قمنا بتعديل هذه المسألة خلال العقد الأول من القرن الحالي وبعد أن ازدادت قوة الدولة الروسية التي أصلحت الأوضاع بوسائل اقتصادية وسياسية وذلك من الشرق الأقصى الروسي وصولاً إلى منطقة القوقاز..  الدولة هي الدولة..  وهي ستقوم بإصلاح المسائل في المستقبل.. يجب عدم الخوف من هذه الناحية..

تعليمات استخدام خدمة التعليقات على صفحات موقع قناة "RT Arabic" (اضغط هنا)