التداعيات الجيوسياسية للأزمة الأوكرانية

أخبار روسيا

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/660237/

ضيف هذه الحلقة من برنامج "حديث اليوم"، هو رئيس أكاديمية القضايا الجيوسياسية الروسية ليونيد إيفاشوف، لإلقاء مزيد من الضوء على الأزمة الأوكرانية والدور الذي تلعبه الدول الغربية والهدف من ذلك:

س- هل نجح الغرب في تنفيذ هذا السيناريو وإلى أي درجة؟

ج-  أنا أسمي هذه الخطة أو السيناريو بالعملية الجيوسياسية، ونعرف جيدا أساليب  تخطيط هذه العملية ومراحلَ تجهيزها وآليات تنفيذها. وكانت بين مهمات هذه العملية المخطط تحقيقُها قبل كل شيء تصعيد التفاقم في العلاقات بين أوكرانيا وروسيا إلى درجة يندلع معها صراع مسلح بين البلدين. وأما المهمة الثانية فهي القيام بانقلاب حكومي وتسليم أوكرانيا إلى أيدي جماعة اوليغارشية جديدة، ونرى اليوم تحقيق هذه المهمة في الواقع، والمهمة الثالثة هي انعطاف أوكرانيا في اتجاه أوروبا وتقويض ما تبقى من اقتصادها وتحويلها إلى تابع كامل في المدار الاوروبي.

وما هي المهمات التي تم تنفيذها أثناء العملية؟ نعم، اصبحت علاقات روسيا مع أوكرانيا، وخاصة على المستوى الحكومي متوترة جدا، ولكن لم يحدث أي نزاع مسلح بين الدولتين. وعلاوة على ذلك تغلبت روسيا على الغرب في هذا الأمر بانضمام القرم إلى روسيا. واليوم نستطيع أن نقول إن دولةَ أوكرانيا تتغير، وعلى الأرجح ستتحول إلى دولة فيدرالية، وهذا الأمر مفيد ومهم لروسيا كذلك.

س-  ما مدى تأثير انضمام القرم إلى روسيا الاتحادية على خُطط الغرب؟ وهل كان الغرب يتوقع أن يحدث ذلك؟

ج-  يبدو لي أن الغرب لم يتوقع ذلك. كانوا قد توقعوا أشياء مختلفة مثل التظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات، وربما حتى الاشتباكات في المناطق التي لا تعترف بسلطات كييف، وبالاستيلاء على الهيئات الحكومية. وبالطبع لم يتوقع أحد أن يبدي سكان القرم ومدينة سيفاستوبل مثل هذا الإجماع ليس فقط في حرصهم على هذا القَدْر من حكمهم الذاتي وصلاحياتهم، وليس فقط في حرصهم على إنشاء دولة مستقلة مثل جمهورية آبخازيا وجمهورية أوسيتيا الجنوبية، بل وعلى استعدادهم لعودة القِرم إلى أحضان روسيا. 

س-  وبالطبع لم يتوقع أحد أن يحدث ذلك بمثل هذه السرعة ومن دون طلقة واحدة أو أي حادثة أخرى؟

ج- نعم، من دون إراقة دماء. أصبح ذلك صدمة، كما أن عودة القرم برأيي إلى أحضان روسيا أحبطت مخططات رامية إلى زعزعة الاستقرار في أوكرانيا، رغم كل آمالهم المعقودة، وقد خسروا بلا شك.

س- بالحديث عن العقوبات، فقد تضمنت وقفَ التعاون بين وكالتي "ناسا" الأمريكية و"روس كوسموس" الروسية الفضائيتين. إلى أي حد باعتقادكم سيتوقف التعاون، علما أن قطاع الفضاء ليس الوحيد المشمول بالعقوبات؟

ج- بصدد العقوبات التي يجري الإعلان والحديث عنها حاليا، فإن روسيا لم تتكبد إلى الآن أي خسائر اقتصادية وسياسية، وخاصة الفنيةَ والتقنيةَ منها، ولا أفهم لماذا يفرضون تلك العقوبات، ولكنني أرجح أن سبب ذلك ضغوط سياسية داخلية لدى من يفرضها، وبالحديث عن السيد أوباما بهذا الشأن مثلا، فإنه أساسا قد خسر العمليةَ الأوكرانية، في حين تلوح أمامه انتخابات الكونغرس الأمريكي، وبعدها تلوح الانتخابات الرئاسية هناك، وبالتالي فإنه يحتاج إلى أن يظهر نفسه ليس في موقع الخاسر، بل، وإلى حد ما، على مستوى مواز لموقع نظيره بوتين، وعليه أن يظهر أن الولايات المتحدة لم تخسر أمام روسيا، ولذلك فإنهم يحاربون الآن بهذه العقوبات، ولكن ذلك على الأرجح خسارة لهم.

س-  هل من المرجح في حال ظهور عقوبات اقتصادية أشد أن تعاني منها الولايات المتحدة وليس روسيا فقط؟

ج-  سيعود ذلك بالخسارة على الولايات المتحدة وأوروبا، حيث أن روسيا حاليا تمتلك من الأدوات ما يزيد بكثير عما لدى غيرها من أجل أن تعاقبَ الأطراف التي فرضت على موسكو العقوبات...مثلا، لقد حرموا روسيا من صوتها في الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، ولطالما كنت أنظر بسخرية إلى هذه المنظمة، حيث أنها لا تجلب أي إيجابيات لا لروسيا ولا لأوروبا على السواء، فهي ناد للنواب الذين يحبون أن يتحدثوا ويختالوا في قاشاتهم... ويبدو لي بالتالي أن كل تلك العقوبات والتلويحات تشكل أعمالا نشطة ضد روسيا تهدف لحفظ ماء وجه الساسة الأمريكيين.

س- إلى أي حد برأيكم تتشابه الأزمتان الأوكرانية واليوغوسلافية سابقا؟

ج- نعم، يوجد تهديد مماثل، ولكن يبدو أن الوضع في أوكرانيا يختلف عما كان في يوغوسلافيا سابقا، حيث أن العامل الإسلامي يغيب في ذلك البلد(اوكرانيا) تقريباا.

ولكن من المعروف أنه يوجد في أوكرانيا شرخ ثقافي حضاري بين الأوكرانيين أنفسهم، حيث توجد هناك ثقافة غربية، كما توجد كنيسة غربية كاثوليكية، وتوجد بشكل عام كراهية غربية للمناطق الشرقية من البلاد. وهذه العوامل حاضرة هناك.

إن ممثلي المناطق الغربية، وخاصة من الساسة، كانوا دائما يحاولون إيجاد أماكنَ لهم في كييف، وذلك بدءا من القرنين السابعَ عشرَ والثامنَ عشر،

وحاولوا دائما الاستيلاء على السلطة وحكم كامل أوكرانيا، ونرى هذه المظاهر اليوم، ولكن بالمقابل نشاهد كذلك أن الأقاليمَ الجنوبية والشرقية هناك تنهض وتحتج.

س- هل تعتقدون أن هناك احتمالات كبيرة لتوسع الغرب أو الحلف الاطلسي  نحو الشرق؟ وما مدى واقعية هذه العملية الآن؟

ج- أعتقد أن عملية التوسع من الغرب الى الشرق توقفت حتى الآن، لا سيما في إطار الاتحاد الاوروبي- الناتو. نرى اليوم مواقف المانيا، وقد قال وزير خارجيتها علنا "كفانا توسيعا للاتحاد الاوروبي وكفانا توسيعا للناتو". وكما نعلم فإن المانيا هي إحدى الدول الرائدة في الاتحاد الاوروبي وفي حلف الناتو. ويبدو لي أنه لا تتلهف ولو دولةٌ اوروبية واحدة الى توسيع الاتحاد الاوروبي وتوسيع الناتو. نعم، هم يريدون استخدام اراضي اوكرانيا اليوم لمصلحة المؤسسات الاقتصادية، ولمصلحة كُبريات الشركات الاوروبية ولمصلحة الناتو إذا اقتضى الامر بذلك. ومن هذه الناحية كانت مدينة سيفاستوبل أكثرَ جاذبية بالنسبة لهم، لا سيما عندما كانت السفنُ الحربية الاطلسية ترسو فيها بشكل منتظم. وقد وقعت اوكرانيا اتفاقية مع الناتو في ابريل/نَيسانَ من عام ألفين وأربعة، وهي تنص على أن القواتِ الاطلسيةَ يمكن لها استخدامُ الاراضي الاوكرانية في أي  لحظة في حالة الضرورة.

فلذلك، من جهة أنا استبعد ان يتوسعَ الاتحاد الاوروبي على حساب اوكرانيا، ولكن من جهة اخرى يجب علينا أن نفهم أن اوكرانيا ليست بلدا عاديا. ولن تزيد من الاستقرار في اطار الاتحاد الاوروبي، ناهيك عن الناتو. بل يجب توظيف استثمارات كبيرة فيها من أجل تحديث الاقتصاد ورفع فعاليته وربحيته.

س- هل تعتقدون أن في هذه الظروف، إذا رغب الناتو بالتوسع، فهل هناك احتمالات كبيرة لعودة حِقبة الحرب الباردة؟

ج- لا يمكن الحديث عن الحرب الباردة الا كأحد الاشكال للمواجهة الجيوسياسية الأبدية بين الشرق والغرب، وبالأحرى بين روسيا والغرب. وهذا ما كتب عنه المفكرون الروس الكبار ابتداءً من مطلَعِ القرن الثامنَ عشرَ، حينما تبين أنه كانت لأوروبا دائما مواقفُ معاديةٌ لروسيا، إذ لا تنظر اوروبا الى روسيا الا عبر منظور المنافسة، وكانت اوروبا دائما تنكر كل الخير الذي كانت روسيا تفعله لاوروبا. ولذلك نحن أمام منافسة أبدية بين الغرب والشرق، بين روسيا من جهة واوروبا والولايات المتحدة من جهة اخرى.

اما الحرب الباردة فهي تمثل ذروةَ التوتر في العلاقات بين الجانبين. ولكنْ علينا أن نفهم أن الحرب الباردة هي شكل من الاشكال الاكثرِ هدوءا وغيرِ الدموية في تاريخ الانسانية. وإبان الحرب الباردة كان هناك توازن استراتيجي بين القطبين العالميين، ما أدى الى انشاء منظومة الامن الدولية القوية بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت هذه المنظومة شموليةً إلى حدٍ كبير، ولذلك يريدون تدميرها وتقسيمها اليوم، عَبرَ زعزعة الاستقرار في مختلِفِ مناطقِ العالم. وكانت يوغوسلافيا أولى الضحايا لتلك العملية الهادفة الى "تدريب العالم" على الحياة وَفقَ القوانين التي رسمها الامريكيون، وليس بمُوجِبِ احكام القانون الدولي.

ولذلك يمكننا ان نستنتجَ أن الحرب الباردة ليست دراماتيكيةً بالدرجة التي يريدون وصفها بها.

س- هناك أيضا البرنامج النَوويُ الإيراني والأزمة السورية. ألا يبدو لكم أن روسيا تجمع في هذه الأزمات نقاطا تزيد عما لدى الولايات المتحدة؟

 ج- إن ذلك واضح للعين المجردة، ومن الجليّ أيضا أن روسيا تكتسب المزيد من الاستقلالية. روسيا، ووصولا إلى الفترة الرئاسية الثالثة لبوتين، كانت تشعر بنفسها كأخ صغير للولايات المتحدة على أقل تقدير حينا، وحينا آخر طرفا غيرَ محبب من واشنطن إطلاقا، وكانت في وضع يجري فيه التحكم بها من الخارج، أما اليوم فقد بدأت روسيا أخيرا تلعب دورا مستقلا في السياسة العالمية، وبدأنا نرى نتائج ذلك على الفور. ولا ننسى أن الدور الروسي ليس عدوانيا، بل مسالم، يسعى لإحياء العدالة ومعايير القانون الدولي ومنع نشوب الصراعات المسلحة والعدوان كما جرى بشأن سورية، وهذا الدور يحظى اليوم بدعم عالمي. وبالطبع فإن الولايات المتحدةَ على خلفية كل ذلك تخسر مكانتها، ولذلك نرى اليوم أن بوتين يجلس بهدوء تام في روسيا، في حين أن أوباما يركض حول الكرة الأرضية، لأن نموذج النظام أحادي القطب في عالم اليوم ينهار.