جوليان اسانج: يجري حاليا اقتناص العالم كله بواسطة النظام الاقتصادي والمعلوماتي الامريكي

أخبار العالم

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/658770/

استضاف برنامج "ما وراء الاخبار" على قناة "RT Spanish"مؤسس موقع "ويكليكس" الصحفي الشهير جوليان اسانج الذي اضطر الى اللجوء لسفارة اكوادور في لندن منذ سنة ونصف السنة ولا زال فيها ، حيث تحدث عن محاولات الولايات المتحدة واجهزتها السرية للسيطرة على العالم من خلال عمليات التجسس على وسائل الاتصالات العالمية. اليكم النص الكامل للمقابلة:

س - اهلا بكم في برنامج "ما وراء الأخبار" على قناة "RT". نقدم إليكم حلْقةً خاصة من سفارة الإكوادور في لندن. حيث نستضيف مؤسس موقع "ويكيليكس" جوليان أسانج.. نشكرك على لقائك معنا على قناة "RT".

ج - أهلا وسهلا.

س.: لقد قمت بتغطية قضايا كثيرة تتعلق بالتجسس على الحكومات وكذلك على المواطنين. وقام موقعك ويكيليكس بفضح الاساليب، التي تستخدمها الولايات المتحدة لبسط سيطرتها ونفوذها على العالم، ذلك إضافة الى الوثائق، التي تم تسريبها عن طريق سنودن الموظفِ السابق في وكالة الأمن القومي. والتي أثارت ردود فعل غاضبة في امريكا اللاتينية. وليس فقط من المواطنين العاديين لدول امريكا اللاتينية، بل ومن قبل الساسة، الذين ادلَوْا بتصريحاتهم حول هذا الموضوع كالبرازيل وفنزويلا والاكوادور. ما رايك بهذه التسريبات، التي قام بها سنودن، وتأثيرها على امريكا اللاتينية؟ وردود الأفعال عليها من قبل حكومات امريكا اللاتينية؟

ج - تمر ثمانية وتسعون في المئة من اتصالات سكان امريكا اللاتينية مع باقي العالم، والتي تتضمن رسائل الهواتف الخَلَوية والبريد الإلكتروني وغيرها، تمر عَبر الولايات المتحدة، وذلك بسبب الموقع الجغرافي للولايات المتحدة. ونتيجة لذلك فان الاستخباراتِ الامريكية لديها افضلية، حيث تستطيع التنصت على هذه الاتصالات، التي تمر من خلال الولايات المتحدة وبكل سهولة يمكنها التنصت عليها وتسجيلها. ومن خلال ذلك يمكنهم التعرف على تصرفات اللاتينيين، وما هي توجهاتهم وأنشطة قادتهم والنخب السياسية. كما تسمح لهم القيام بعمليات ابتزاز، أي ان باستطاعة امريكا ان تبتز ايَ شخص في امريكا اللاتينية ايضا، لامتلاك الولايات المتحدة القدرةَ على الوصول لتسجيلات هذه الاتصالات، سواء كانت قد تمت داخل الولايات المتحدة او في امريكا اللاتينية من خلال التنصت على الاتصالات، او من خلال اجهزة تساعد على التنصت، يتم وضعها داخل سفاراتها او في القواعد التابعة لها. وقد تم كشف احد هذه الاجهزة في الاكوادور نتيجة لتسريبات ادوارد سنودن. وبهذا اصبح لدينا وضع امتلكت فيه الولايات المتحدة القدرة على التنصت على أي شخص لديه نفوذ داخل امريكا اللاتينية, ولديها القدرة على تحريض حزب على اخر. ولكن البعض قد يقول: إذا كان ذلك صحيحا فكيف استطاع نيكولاس مادورو الفوز في الانتخابات في فنزويلا؟ وكيف استطاع رافائيل كوريّا الفوزَ بغالبية ساحقة في الاكوادور. إن ذلك ليس دليلا على عجز الولايات المتحدة الاستخباري في امريكا اللاتينية، بل لأن اهتمام الاستخبارات الامريكية قد تحول من امريكا اللاتينية باتجاه منطقة الشرق الاوسط، والى منطقة اسيا ايضا. وخلال تلك الفترة تمكنت بلدان امريكا اللاتينية من الحصول على استقلاليتها السياسية عن الولايات المتحدة ونشاطاتها. اما الان وللاسف فان اهتمام الولايات المتحدة بامريكا اللاتينية قد عاد من جديد. ولكنها خلافا للسنوات العشر الماضية، تملك وسائل الاتصال كافة، والتي يمكنها من خلالها التنصت على جميع الاشخاص.

س - الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف، وفي كلمتها مؤخرا أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، استخدمت كلماتٍ قاسيةً للغاية إزاءَ برنامج التجسس الأمريكي، وبخاصةً نحو الرئيس باراك أوباما، الذي كان حاضرا هناك. ولم تقم بالإدانة والشجب فحسب من حيثُ أن التجسسَ يعتبر انتهاكا للسيادة، ولكنها دعت أيضا إلى إنشاء مِنصة مستقلة للإنترنت تتبع دول أمريكا اللاتينية أو حتى عالميةٍ، لا تكون خاضعةً للرقابة الأمريكية. وقد طورت بلدانٌ مثل فنزويلا أنظمةَ مراسلات ضوئية تربِطها حصريا بكوبا. كما أطلقت دول أخرى أقمارا صناعية للاتصالات لتأكيد استقلاليتها في هذا المجال. هل ذلك يشكل حلا يحمي الدول المعنية من ذلك النوع من الانتهاك الأمريكي للخصوصيات من خلال بسط سيادتها على اتصالاتها؟

ج - ليس هناك سيادة مع وضع حدود على التنقلات، ومن دون السيادة الاقتصادية، وكذلك من دون السيادة على وسائل الاتصالات الوطنية، لأن حرية الاتصالات والتنقلات والاقتصاد هي التي تعرّف الدولة. والآن، الولايات المتحدة تحاول بشراسة منع التبادل الاقتصادي عَبر التحكم بأنظمة الفيزا وسويفت وماستركارد والمدفوعات المتوجهة إلى أمريكا اللاتينية من بنوك أمريكا، وتتدخل في القارة عن طريق أنظمة الأتمتة الرئيسة في الأخيرة، وتنشَطُ في قطاعات حكومية مهمة ووسائلِ الإعلام هناك وغيرِها من المجالات الاقتصادية الهامة في البرازيل، وتتنتهك السيادة في مجال الاتصالات. وهنا مربِط الخيل، فحين يكون شخص أو شركة تابعَين لدولة ما، وكانت الدولة تتحكم بتنقلاته وأنشطته الاقتصادية أو اتصالاته، فإن الولاياتِ المتحدة من جهتها تصبح ممسكة بزِمام التكامل الاقتصادي والاتصالاتي، ويبقى لها التحكم باستخدام القوة داخل تلك الدولة، والأمر الأخير يبدو وقحا للغاية. انظروا إلى ما حدث في قضية إدوارد سنودن حين وزعت الولايات المتحدة طلباتٍ بتسليمه لها، ونجد أن نيل ماكبرايد، المدعي العام للأمن القومي يقوم بملاحقتي أيضا، وتم توزيع طلبات التسليم إلى فنزويلا وبوليفيا وهونغ كونغ وإيسلندا وإيرلندا، وذلك في استفادة من معاهدات الترتيبات المشتركة، والتي تجبر الشرطة والسلطات القضائية في تلك البلدان على الرضوخ لمصالح الإدارة الأمريكية. وبإخضاع وكالات حفظ النظام والشرطة عن طريق معاهدات الترتيبات المشتركة، تتخلى الحكومة عن سيادتها للحكومات الأخرى، وتفقد بذلك عامل استخدام القوة. وما يحدث وَفق النظرية الأكاديمية، فإنه وبواسطة معاهدات الترتيبات المشتركة والمنظمات متعددة الأطراف تجري السيطرة على المناطقِ باستخدام القانون، فيما كان ذلك في السابق يجري باستخدام القوة. وحين نربط هذا النشاط باعتراض سبل الاقتصاد والاتصالات، يمكن التحكم بالبلد من دون احتلاله. وهذا الأمر يشير إلى صناعة القرار، ويجب في أمريكا اللاتينية أن يدركوا ذلك، من حيث أنه لا توجد سيادة حقيقية من دون السيادة على القطاعات الوطنية الهامة كالاقتصاد والاتصالات، ومن دون التحكم بوكالات حفظ النظام والسلطات القضائية.

س - ولكن هل يمكننا أن نعرف ما في جَـعبتك عن القدرات الأمريكية في تكنولوجياتها ووصولها إلى أبعد الحدود في الرقابة في أمريكا اللاتينية، وهل يمكن أن يطوروا في أمريكا اللاتينية تكنولوجيات سيادية تكون في معزِلٍ عن السيطرة الأمريكية؟

ج - الفكرة التي اقترحتها ديلما روسيف حول تأسيس لجنة دولية ناظمة للإنترنت أرعبت الولايات المتحدة والاتحادَ الدولي للاتصالات، لأنها ستسحب بذلك من أيديهم المفتاح الناظم للإنترنت، والاتحاد الدولي للاتصالات هو جهة أوروبية مسيطرة منذ سنوات. ولا أعتقد أن دولةً ما أو منظمة يجب أن تتحكم بالإنترنت، كما أن الحكومات يجب أن تتحكم بها في حدود معينة، فحرية الاتصالات للأفراد والتجارة والأعمال تعتبر من الأهمية بمكان، وذلك بسبب غياب السيطرة على هذا القطاع من قبل الدول. تقدمت ديلما روسيف ببعض مقترحاتها، ولم تتضمن المقترحات آليات تعطي البرازيليين قدرة أكبر لتلافي التجسس، ولكنها أعطت الحكومة البرازيلية وصولا متساويا إلى المعلومات المسروقة، لذلك يجب أن نكون حذرين، فهناك توجه طبيعي لدى الدول للسعي لتعزيز سيادتها، وهي معنية بزيادة قوتها محليا، وتخشى بالتالي زيادةَ قدرات السيطرة لدى الأمريكيين.

س - أود الحديث عن غوغل: سبق وان وجهت انتقادات لغوغل التي اعتبرتها امتدادا لسياسة الولايات المتحدة الخارجية، ولا سيما أن الخِدْماتِ، التي تقدمها غوغل يستخدمها العالم كله تقريبا، بل إن معظم  بلدان أمريكا اللاتينية وأرفع مسؤولي الحكومات هناك لديهم حسابات بريدية مع غوغل، هل لك ان توضح لنا لماذا تعتبر غوغل مصدرَ خطر للمجتمع؟ وما هي البدائل؟

ج - لقد قرأت عن الموضوع هنا وبخاصةٍ قرأت بعض المقالات، التي تقدّم مراجعة لكتاب رئيس غوغل "العصر الرقمي الجديد"، الذي يعرِض بوضوح ما يحصل في العالم. غوغل تقدّم نفسها لواشنطن على انها نبيءٌ جيوسياسي يمكنه ان يمهد الطريق أمام الولايات المتحدة سواء في أمريكا اللاتينية او آسيا او في اوروبا. وهذا عمل رجعي واضح يتم من خلاله اختيار مجموعة من الفرائس، من قبل هنري كيسنجر ومادلين اولبرايت او توني بلير وهايدن الرئيسِ الاسبق لوكالة الامن القومي. والتشجيع الرئيس يأتي من هنري كيسنجر؛  ولكن ما هو مصدر كل ذلك؟ مصدره بالتاكيد غوغل، التي انطلقت من كاليفورنيا كجزء من مشاريع تخرج الطلبة لكي تكون نواةً لمشروع يقدم خِدْماتٍ يمكن للعالم استخدامها. ومع نمو غوغل وتوسعها أخذت بالتقرب من الحكومة الامريكية. وحينما ارادت دخول السوق الخارجية، اصبحت تعتمد على وزارة الخارجية الامركية بحيث أن منصبَ رئيس قسم الافكار في غوغل يشغَله الآن المستشار المباشر السابق لهيلاري كلينتون و كونداليزا رايس في وزارة الخارجية. وقد قمنا في ويكيليكس بالكشف عن هذا التفاعل القريب والتناغم بين غوغل ووزارة الخارجية الامريكية من خلال تسريباتنا، وكذلك من خلال البرقيات التي تعكِس التقارب بين كبار المسؤولين في وزارة الخارجية وبين مسؤولي غوغل. ولذلك لم يكن الامر مفاجئا لنا حين علمنا ان غوغول قامت في عام  الفين وتسعة بالتعاون مع وكالة الامن القومي في مجال برنامج  القرصنة والتجسس على شبكات الانترنت " البريزم". لذلك يمكننا ان نلمس بوضوح ان غوغل قد اصبحت جزءا من العائلة الامريكية فهي تنفق الكثير من الاموال لممارسة انشطة اللوبي الخاصة بها في امريكا أكثر مما كانت تنفقه  شركة لوكهيد مارتن. وهذا واضح من كتاب رئيس غوغل الذي يقول بوضوح إن ما مثلته لوكهيد مارتن للقرن العشرين ستمثله شركات التكنولوجيا العالية في القرن الحادي والعشرين. وهذا يعكس جليا شكلا جديدا وقويا من الامبريالية الجديدة، رغم انني لا اريد استخدام هذا التعبير الماركسي المبتذل، ولكنْ هذه هي حقيقة الامر.. الامر كله يدور حول اقتناص العالم باجمعه بواسطة النظام الاقتصادي والمعلوماتي الامريكي.

س - قامت منظمتكم ويكيليكس بنشر مئات الالاف من الوثائق، معظمها وثائقُ سريةٌ مأخوذه من حكومة الولايات المتحدة الامريكية،  الامر الذي جعلها تتعرض لهجمات شرسة متواصلة.. هل ستستمرون بنشر المزيد من الوثائق؟ وماذا عن الهجمات التي تتعرضون لها؟

ج - لا تزال الهجمات التي نتعرض لها مستمرة. ولنعد الى الوراء قليلا الى عام الفين وعشَرة، حين عقد البنتاغون مؤتمرا صُحفيا استمر لمدة اربعين دقيقه. أثناءَ ذلك المؤتمر طلب البنتاغون من ويكيليكس- مني انا شخصيا- بإتلاف كل ما نشرناه وكذلك إتلافُ كل ما بحوزتنا من وثائقَ والتوقفُ عن سرقة المعلومات من المسربيّن العسكريين في امريكا، وإلا فإنهم سيجبروننا على القيام بذلك. من جانبنا رفضنا تلبية طلبهم واعلنّا اننا جهةٌ ناشرة وقطعنا وعودا لمصادرنا وللجُمهور باننا سنستمر بالنشر بحرية وبصدق. وعلى خلفية ذلك شنّت الحكومة الامريكية حربا مستمرة منذ ثلاث سنوات وحتى الان، وبدأت هذه الحربَ بتحقيقات تجريها أكثرُ من اثنتي عشْرةَ وكالةً أمريكية من بينها وكالة المخابرات المركزية. وقد أعلن عن هذه العمليات. وما زالت عمليات التحقيق بخصوص ويكيليكس مستمرةً بحسب اعتراف وزارة العدل في الثالث والعشرين من شهر أَغُسطُس آبَ المنصرم. الحالة التي تعيشها ويكيليكس تتمثل في محاكمة احدِ اهمِ مصادرنا، برادلي ماننغ الذي حكم عليه بالسجن لمدة خمسة وثلاثين عاما. وهذا الحكم يمثل نصرا تكتيكيا لفريق دفاع ماننغ، لان الحكومة الامريكية طالبت بالسجن المؤبد.  كما ان تدخل ويكيليكس في قضية ادوارد سنودن قد ولد شعورا معاكسا في واشنطن  ضدها، ونحن نعرف هذه الحقيقة. ورغم كل ذلك ستستمر المنظمة بنشر الوثائق، وسنستمر بالصمود في المحاكم ولن نتوقف عن التدخل في جميع القضايا، وإحداها قضية برادلي ماننغ، التي احرزنا فيها انتصارات. ومن المثير اننا في جميع قضايانا أمام هذه المحاكم او تلك، التي نتدخل فيها، تتمكن ويكيليكس من الفوز. فعلى سبيل المثال، تمكنا في احدى القضايا من اجبار البرلمان الاوربي على إقرار تشريع يعتبر الحصارَ المصرفي  المفروض علينا غيرَ قانوني. ومن المثير القول هنا إن الانترنت هو الوسيلةُ الرئيسة للتفاعل الاقتصادي والاتصالات  بين الافراد والشركات، ولذلك حينما تسعى الولايات المتحدة لمراقبة التفاعل الاقتصادي والتجسس عليه، فانها ببساطة تقوم بمراقبة الانترنت. ومثل ذلك تماما حينما تسعى لحظر الانشطة المالية لمصرف ما مثلا في ايرانَ فانها تقوم ببساطة بحظر الاتصالات مع ذلك المصرف.

س - نتطرق ايضا الى قضية برادلي ماننغ العسكري الأمريكي، الذي تحولَ إلى امرأة اسمُها تشيلسي ماننغ، والتي وُجهت اليها تهمةُ التجسس بسبب قيامها بتسريب وثائقَ سريةٍ الى المؤسسات الاعلامية، ولكنْ لم توجه إليها تهمةُ تسريب هذه الوثائق الى ما يعرف بالعدّو التقليدي. قضيةُ اعتبار الاعلام والصحافة عدوا - هل  تشكل هذه القضية تهديدا لمسربي المعلومات؟ وهل تَعتبر ما يحصل جزءا مما ذكره الرئيس اوباما في خطابه امام الامم المتحدة حول "استثنائية" الولايات المتحدة في معاملة الاعلام ومسربي المعلومات كإرهابيين؟

ج - حسنا – تذكري اننا حينما نستمع إلى اي رئيس يتحدث عن "الاستثنائية"، فهذا يعني بكل وضوح أن قواعدَ السلوك المدني لا تنطبق عليه. سواء تمثل هذا الامر بالقيام بغزو بلد ما او من خلال اساءة استخدام القوانين في الداخل. وفيما يتعلق بقيام الرئيس اوباما باستخدام قانون التجسس ضد المصادرِ الصحفية والصُحُفيين، فانه  امر جديد. ومن المهم جدا ان يدركَ الناس ان هذا الامر لا يمثل تغييرا طفيفا بل هو تغييرٌ جوهري. فقد عمل باراك اوباما على محاكمة أعداد كبيرة من الصُحفيين والمصادر الصُحفية من خلال قانون التجسس أكثرَ بكثير من جميع الرؤساء السابقين وصولا إلى عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وسبعةَ عشر. وفي الحقيقة، فإن عددَ الصحفيين، الذين تمت محاكمتُهم في عهد اوباما، يعادل ضِعفَ عدد من تمت محاكمتهم في أيام الرؤساء السابقين مجتمعين. يصل العدد الى ضِعف الناس الذين تمت محاكمتهم. إن ما يحصل هو قرار متعمد ومقصود من قبل البيت الابيض لبث جوٍ من القشعريرة من خلال استخدام قانون التجسس. ففي قضية برادلي ماننغ  لم يكن هناك وليس هناك ايُ ادعاء بانه سرب معلومات الى بلد آخر، او بانه قام ببيع معلومات، او انه كان ينوي الحاق الضرر بالولايات المتحدة وشعبها باي شكل من الاشكال. ولذا، حينما نسمِّي التحدثَ الى الاعلام تجسسا، فان هذا يمثل اساءةً لغوية، كما ان هناك اساءةً لغوية حينما يجري اتهام ويكيليكس بالقيام بانشطة تجسسية.

س - لنتحدث عن وضعكم هنا داخل سفارة الاكوادور في لندن، حيث ما زلتم محتجزين لفترة تزيد عن عام ونصف، من دونِ التوصلِ الى اي قرار بمنحكم اللجوءَ السياسيَ من قبل الاكوادور، لان السلطاتِ البريطانيةَ ستعتقلكم فور مغادرتكم السفارة. مؤخرا اعلن وزير خارجية الاكوادور أنهم في الإكوادور عملوا  بشكل مكثف مع السلطات البريطانية للتوصل الى حل لقضيتكم ولكنهم لم ينجحوا لحد الان. والان هم يدرسون احالة القضية الى محكمة دولية للنظر في خرق سيادة دولتهم وكذلك حق اللجوء السياسي وغيرها من الامور، كيف ترى الحل لهذا الوضع؟ وهل هناك حل ما برأيك؟

ج - هذا الوضع يمثل مزيجا من التعقيد السياسي والدبلوماسي والقانوني.. أعتقد انه مقارنةً بالاطار الزمني القصير- سنة او سنة ونصف – تلوح الان اشارات جيدة للتوصل الى حل للقضية، فالوقت يعمل لمصلحتي في هذا الوضع بسبب تكشفِ حقائقَ جديدةٍ تتعلق بعمليات التجسس على الدوائر والمؤسسات الالمانية والسويدية. لذا، اعتقد أن بعض اللاعبين المنخرطين في قضيتي أخذوا  يتراجعون عن مواقفهم، التي اتخذوها مع مرور الوقت. فقد رأينا على سبيل المثال عمدة لندن اللورد بوريس جونسون، وهو من المحافظين، يَدينُ عملية تمويل رجال الشرطة المحيطين بسفارة الاكوادور، ويقول إن هذه الاموالَ التي أُنفقت إلى الان على مراقبة السفارة، والتي تصل الى عشَرةِ ملايينِ دولار، كان يجب ان تنفق على انشطة الشرطة الاكثرِ اهمية، وليس على رجال الشرطة المنتشرين حول هذه السفارة.

س - نعرف أنك شخصيا وسنودن قد حصلتما على اللجوء السياسي في العديد من دول امريكا اللاتينية – انت في الاكوادور، وهو قد عرض عليه اللجوء في فنزويلا وبوليفيا ونيكاراغوا ايضا، وقد حصل على اقامة مؤقتة في روسيا أنتم ساعدتموه في نيلها، ماهو تفسيركم للامر؟ هذه البلدان هي أقلُ قوةً وأقل نموا، لكنها تمتلك الشجاعة للوقوف بوجه جبروت الولايات المتحده، وتقدم لكما الدعم؟

ج - هذا امر مثير حقا!  لقد تقدمنا انا وسنودن بطلبات لجوء إلى اكثرَ من عشرين بلدا في العالم. في بعض تلك البلدان، اعتقدنا ان الفرصةَ ممكنةٌ للحصول على لجوء، ولكن في بعض البلدان الاخرى كان الغرض من وراء تقديم طلب اللجوء اليها هو فضح سلوكيات حكومات تلك البلدان، التي رفضت طلباتِنا، امام شعوبها. واردنا من ذلك تنبيه وتوعية  الشعوب حول تصرفات حكوماتها، ولكنكِ أنت محقة! فاولى البلدان التي بادرت الى مساعدتنا كانت بعض بلدان امريكا اللاتينية وروسيا.. لم تكن جميع دول امريكا اللاتينية، بل بالتحديد فنزويلا وبوليفيا والاكوادور. ماذا يعني ذلك؟ هذه البلدان ليست بلدانا قوية. في حين أننا ندرك جيدا ان روسيا دولةٌ قوية وأنها دولةٌ نووية ومستقلةٌ جغرافيا. هذه المواقف من هذه الدول تدل على ديمقراطية امريكا اللاتينية، حيث هناك حكوماتٌ تشعر بالمسؤولية تجاه شعوبها، وراغبةٌ بالتمسك بقيمها، التي تعلن عنها، وإلا فإنها ستتعرض للمساءلة والمحاسبة من قبل شعوبها.  لذلك انا ارى في هذا الموقف انعكاسا للطبيعة الديمقراطية لفنزويلا والاكوادور، وربما البرازيل، التي لم تعرِضْ علينا اللجوء ولكنها الان بدأت تتحرك استجابة للضغوط الشعبية، التي بدأت على خلفية تعرض البرازيل  للمراقبة من الولايات المتحدة.  يمكننا ان نقارن بين المانيا وفنزويلا، حيث إن خصوصيةَ المانيا مصدرُ قلق كبير، وربما هذا الامر ينطبق على جميع البلدان متوسطة الاحجام. فالخصوصية تعتبر من اكثر الامور اهمية بالنسبة للألمان، بسبب ما حدث في الحرب العالمية الثانية، بالاضافة الى بعض الجوانب الثقافية الاخرى. ولا سيما أن  أنجيلا ميركل في طريقها الى المنافسة الانتخابية. لذلك، فان قضايا مثل طلب لجوء ادوارد سنودن وخرق الخصوصية وعمليات التجسس، هذه الامور كلها لا تصب في مصلحة المانيا التي تنتظرها انتخابات فدرالية – وبالرغم من وجود بعض الصحفيين  المقيمين في المانيا مثل لورا بويتراس ممن عملوا على نشر هذه المعلومات حول تجسس امريكا على المانيا، فإن الحكومة الالمانية لم تعرِضْ اللجوء على ادوارد سنودن ولم تحاول حتى  نقله او مساعدته باي شكل من الاشكال. لذلك اعتقد ان ما حصل في المانيا يعطينا مثالا على ان  لدى الشعب رغبةً في الديمقراطية، لكن  الحكومة غيرُ قادرة على تجسيد هذه الرغبة الديمقراطية، على عكس ما نراه في  فنزويلا والاكوادور وبوليفيا ايضا حيث نرى الحكومات تعبر عن رغبات شعوبها الديمقراطية بشكل اوضح.

س - أثقلتُ عليك بالأسئلة. لدي سؤال أخير عن بعض المسائل، إحداها مستقبل الصحافة والرقابة عليها، لأن هناك كثيرا من الملاحقات للصُحفيين، الذين يفضحون التعسف الأمريكي واستخدامَ القوة حول العالم، ويعامَلُ هؤلاءِ الصحفيون كأعداء وإرهابيين. وكذلك عن وضع سنودن ومستقبله، وماذا ينتظره كمسرّب معلومات، والمعاملة التي يَلقاها بسبب نشاطه. فهل سيخضع لملاحقة قضائية صارمة في الولايات المتحدة. وأريد أن أربط بالسؤال الفيلمَ، الذي صدر مؤخرا، والذي يتطرق إليك وإلى ويكيليكس، هل هذه محاولة أخرى أو دورية لتشويه سمعتك والإساءة للعمل الذي تقوم به مع ويكيليكس، ولكل شخص يحاول فضح التعسف؟

ج - إن إدوارد سنودن يعيش آمنا في روسيا. فقد حصل رسميا على اللجوء لمدة سنة، ولا أظن بالطبع أنه سيدهس أحدا ما بسيارته، لأن الروس في هذه الحالة لن يكونوا سعداءَ بالتأكيد بتمديد فترة لجوئه لديهم. ما يؤرقني أكثر هو وضع أولئك، الذين ما زالوا في دائرة الخطر من الصُحفيين مثل سارة هاريسون، التي اضطلعت بإخراج سنودن من هونغ كونغ، وقضت معه تسعة وثمانين يوما في مطار موسكو تحميه وتملأ له استماراتِ اللجوء، وما زالت الآن معه في موسكو وهي بريطانية الأصل.

نعرف أنه جرت مداهمة صحيفة الغارديان واحتجزوا ديفيد ميراندا شريك الصُحفي الأمريكي غلين غرينوالد هنا لمدة تسع ساعات بمُوجِب قانون مكافحة الإرهاب ومن دون توجيه اتهامات إليه، وبدأ تحقيق رسمي بتهمة الإرهاب ضد كل أولئك الأشخاص.

س - ويتضح أن كل ذلك حدث لأن إدوارد سنودن نشر وثائقَ وكالةِ الأمن القومي الأمريكية؟

ج - نعم. أعني أن ذلك سخيف. فمن موقف بريطانيا يتضح أنه تجري ملاحقة كل من لديه صلة بموضوع سنودن، وذلك ربما ليُظهر البريطانيون للولايات المتحدة شعورهم بمعاناتها، وأن لديهم توجه مماثل في هذا الأمر. ولعل بريطانيا تقلّد الولاياتِ المتحدة في ما تفعله الأخيرة. ويقلقني كل ذلك ومصيرُ سارة هاريسون، ولكننا إذا نظرنا إلى الصورة من زاوية أكبر، فإننا نرى وجود تطور للأحداث في الولايات المتحدة وبريطانيا، وهذا أمر مهمٌ للغاية، وهو واضح للجميع، فحكم القانون يبدأ بالانهيار تدريجيا، والحكومة تنأى بسرعة عن الشعب والنظام القضائي، والإجراءات القضائية تصبح سريةً بشكل متزايد. وهنا وبشأن القضايا السرية، حتى حزب الشعب ورئيسه "إيد ميليباند Ed Milliband" يحاولان تمرير قوانينَ تمنع انتقاد الجنود، مضيفا انتقادهم إلى ما يسمى بخطاب الكراهية، وهذا نوع من الفاشية، وأعرف أن العبارةَ قاسية، ولكنني أعتقد أنها تعطي الوصف الصحيح. الولايات المتحدة أرعبت الناس بشدة، و"الغارديان" قامت بعمل جيد ولكن واشنطن أخافت الصحيفة بدورها، وتراجعت الغارديان بعدها عن نشر الكثير من تقاريرها والوثائق، والأمر نفسه يجري في الولايات المتحدة. وباعتبار أن ويكيليكس هي دارٌ للنشر، فكل ذلك يصب في مصلحتنا، ولكننا في نهاية الأمر سنبقى وحدَنا في الساحة. ولكن فمن جهة، إن جوليان أسانج ناشط من أجل الكلمة الحرة، ولذا، فإن تلك الإجراءات بغيضة ومقلقة للغاية، ومن جهة أخرى لا يمكن معرفة الطرف الفائز بمجرد الشعور برائحة البارود وسخونة المعركة بين من يكشف الحقائق عن تجاوزات الولايات المتحدة، بَدءا من جرائم الحرب وانتهاءً بالرقابة واسعة النطاق، وبين من يحاول قمعهم. ويدور صراع حاد بين الأمن الوطني المتزايد الجبروت، أو النظام في الغرب، وبين أولئك الذين يحاولون فضح ما يقوم به ذلك النظام، وهذا أمر مؤكد. ومن غير الواضح أي من الطرفين سيفوز، وبالطبع يوجد في جَـعبتنا انتصارات مهمة للغاية، بما في ذلك في مجال الوقوف ضد الرقابة على الصُحفيين وملاحقتهم.

س - ماذا عن الفيلم؟

ج - حسنا. الفيلم. عنوانه ذا فيفث إيستيت The Fifth Estate، أو المِـلْكيةُ الخامسة، وسبق أن تطرقتِ إليه بالفعل.

س - هل تعتبره محاولة لتشويه سمعتك مع منظمتك؟

ج - لا أرى الموضوع وَفقَ هذا المنظور، فالفيلم مصدره هوليود، وأعرف الكتاب الذي استندوا إليه لإخراج الفيلم. الكتاب كان محاولة لتشويه سمعتنا، واختارت ستوديوهات دريم-ووركس Dreamworks الكتابين الأسوأَ سمعةً من غيرها من أجل السيناريو، ويأتي ذلك من الجانب السيئ في هوليود والقيود الكثيرة على ما يبدو على ما يمكن كتابته، وما يجب أن يُنشر. ولا أعرف إذا ما كان الهدف من الفيلم كما ذكرتِ، ولكنه جاء نتيجة لعملنا بالتأكيد، غير انه لم يحقق نجاحا جيدا بحسب الإحصاءات، وأعتقد أن المعلومات التي كشفناها تبرز نجاحنا في إبراز حقائقَ حصلت بالفعل. ومن المثير أن نرى ديزني في الولايات المتحدة، وهي الشركة المسؤولة عن نشر الفيلم، نراها تنشر ملصقاتٍ تحمل صورتي مشطوبة باللون الأحمر وعليها كلمة خائن، وهذه فكرة مضحكة لأنني أسترالي، ولا يمكنني أن أكون خائنا للولايات المتحدة حتى نظريا. إنه أمر مضحك، وفي نهاية الأمر، أصبح الناس يكتسبون مناعة من الهجمات المماثلة علينا، وكان هنالك العديد منها مع مرور الوقت، والناس يتابعون ملحمة ويكيليكس، وشهدنا هجمات بهدف تشويه سمعتنا، ولكن تبين أنها فارغةٌ من المضمون، وبالتالي لا أعتقد أن قاعدة الثقة لدينا ستتأثر بالفيلم.

س - قمت بعمل جِدي فتح أبواب الجدل حول العالم، وللأسف فإن وقتنا قد انتهى، ولك جزيل الشكر سيد أسانج على وجودك اليوم معنا على شاشة "أر تي".

ج - أهلا وسهلا.