حمدين صباحي: التوافق الوطني في مصر ينقصه الثقة

أخبار العالم العربي

انسخ الرابطhttps://arabic.rt.com/prg/telecast/658147/

في حديث خاص لـ "روسيا اليوم"، أكد القيادي في جبهة الإنقاذ المصرية /حمدين صباحي/ ضرورة أن تجد مصر طريقاً نحو ما وصفها بديمقراطيةٍ حقيقية تضمن استقلالها السياسي والاقتصادي، مشدداً على ضرورة اتخاذ إجراءت جديدة لبناء الثقة، بهدف تحقيق التوافق الوطني في البلاد.

س: استاذ حمدين، لماذا ازدادت الاوضاع سوءً بعد رحيل حسني مبارك؟

- لأن النظام الذي أتى، رغم أنه أتى عن طريق صندوق الانتخابات، لم يمثل أي تغيير جوهري في السياسات. ديمقراطياً، نحن أمام مشروع للأخونة، لتمكين جماعة، أكثر منه مشروع لتمكين الشعب عبر آليات ديمقراطية. واقتصادياً، نحن أمام إعادة انتاج نفس النظام الاقتصادي. حلف للثروة والسلطة يتبنى سياسة اقتصادية قائمة على سوق مفتوح بآلياته الناهبة للفقراء والمركزة للثروة في يد طبقة ضعيفة. ولايوجد أي اهتمام بالعدالة الاجتماعية التي كانت مطلباً جوهرياً للثورة. ولازالت سياستنا الخارجية تدور في نفس الفلك، الذي يقترب من الخضوع لهيمنة امريكية في إدارة دورنا الاقليمي والدولي.

 

س: من المستفيد من استمرار أعمال العنف التي ما أن تتوقف حتى تعود ثانية؟

- العنف مضاد تام للثورة. الثورة تحتاج قوة وليس عنف. قوة للجماهير، وهي الطريقة التي أطيح بها بمبارك. الجماهير الغفيرة، كتلة تاريخية مشكلة من تعدد طبقي وديني وسياسي توحدت في ميدان التحرير. عندما يخرج المصريون إلى الشوارع للتعبير عن موقفهم بقوة، فهم لا يحتاجون عنفاً، فقوتهم كافية. العنف يفض الجماهير المسالمة بطبعها. أنا أعتقد أن الذي يقف وراء العنف هو جهاز الدولة بالعنف المفرط للشرطة. الجماعات التي بدأت العنف في جمعة كشف الحساب وفي أحداث الاتحادية مرتبطة بجماعة الاخوان، وجماعات محسوبة على اليمين الديني المتحدث باسم الاسلام. وبالتأكيد هناك عنف مضاد من قوى ثورية ترى نفسها في مرمى القصف فترد بطريقة تلقائية.

 

س: هل بات الجميع في مواجهة خطر الطائفية، بمعنى هل تمضي مصر على طريق اللبننة؟

- مصر لن تلبنن. وهي في تكوينها الاجتماعي اكثر تماسكاً ومتانة من أن تنقسم دينياً. ولكن لابد من وقفة حازمة، جادّة، عميقة، أمام هذا التكرار لمشاهد العنف الطائفي. وهذا يحتاج قبل كل شيء إلى سلطة مؤمنة بقيمة المواطنة والمساواة الحقيقة، وإلى مجتمع ينتصر لقيمه، وأولها القيم النابعة من الاسلام والمسيحية. لأن جوهر الاسلام والمسيحية هو العدل والمحبة، ولا يقبل أي تطرف أو تعصب أو اقصاء باسم الدين. نحتاج لمراجعة جادّة لمناهج التعليم في مصر. نحتاج لمراجعة جادّة لخطابات اعلامية تعيد تقديم الدين باعتباره أداة تقسيم واحتراب، وليس أداة سلام ومحبة وعيش مشترك. ونحتاج إلى النظر في مظالم حقيقية يتعرض لها الاقباط المصريون، بعضها مقنن، وبعضها غير مقنن. ولكنها تحرمهم من المساواة كما ينبغي لها أن تكون في مصر.

 

س: ما هي تداعيات فشل حكم الاخوان المسلمين ممثلاً بالرئيس مرسي في تحقيق العدالة الاجتماعية؟

- اعتقد سنواجه أزمة مجتمعية وعنيفة. والازمة الاقتصادية التي تستحكم وتسير باتجاه الهاوية الآن، ممثلة بارتفاع دائم للأسعار، وانخفاض واضح للجنيه المصري مقابل الدولار، انخفاض في الاحتياطي النقدي المصري. والاستجابة لشروط صندوق النقد الدولي لإعطاء القرض بدأت تتبدى في رفع الاسعار، كما رأينا في البوتاجاز، ونقص في السولار، ومجمل هذه الازمة الاقتصادية، مع غياب أي رؤية أو سياسات أو برامج أو قرارات تحقق العدالة الاجتماعية. اعتقد ان ذلك كله يمكن ان يصنع المناخ الدافع لثورة جياع أو موجة فقر.

 

س: بماذا تفسر الدعم الامريكي لحكم الاخوان في مصر؟

- اعتقد ان حرص الادارة الامريكية على دعم الاخوان، يأتي من حرصها على المصالح الامريكية. وقد أبدى الاخوان استعداداً واضحاً للحفاظ على المصالح الامريكية. مصر هي قلب أمتها العربية ولاعب رئيسي في هذه المنطقة، ولاعب هام في العالم. عندما يحدث توافق على صون أمن اسرائيل، وعندما تلعب ادارة مرسي نفس الدور الذي كانت تلعبه ادارة مبارك وأكثر، في ضمان احتلال اسرائيلي منخفض التكاليف لغزة، بإقناع حماس بعدم اطلاق اي صاروخ عليها. وعندما لا تمثل إدارة الاخوان في مصر أي نديّة للتصورات الامريكية عن ادارة هذه المنطقة للمصالح الامريكية، فاعتقد أن الادارة الامريكية عندما تجد منفذاً طيّعاً كالاخوان لشروط الادارة الامريكية سيكون عليها أن تدعمه.

 

س: متى تخرج مصر من نطاق الهيمنة الامريكية على القرار الوطني؟

- لابد أن تجد مصر طريقاً لديمقراطية حقيقية. تنتخب عبرها رئيسا وبرلمانا وحكومة، يكون دفاعهم عن المصالح المصرية أهم من التزامهم بتلبية الشروط الدولية وبالذات الامريكية. ستخرج مصر من حالة التبعية عندما تعتمد اعتمادا رئيسيا على مواردها في تلبية حاجاتها الاقتصادية.

 

س: وهل لا تزال تثق جبهة الانقاذ الوطني في قدرة الاخوان المسلمين على تحقيق التوافق الوطني؟

- هذه الثقة مفقودة، ولهذا مصر بحاجة لإجراءات بناء ثقة جديدة ما بين الجماعة والرئاسة التي تمثلها، وما بين قوى شعبية جديدة، وقوى سياسية أهمها جبهة الانقاذ. وهذا يحتاج تحديدا لإجراءات بناء الثقة، ونحن حددناها في جبهة الانقاذ، بأننا في حاجة لحكومة جديدة، ونائب عام جديد، وقانون انتخابات جديد كمقدمة لبناء هذه الثقة. ثم للاتفاق باعلان نوايا على معالجة كثير من الملفات تأتي في طليعتها أربع قضايا رئيسية: العدالة الاجتماعية، القصاص العادل عبر عدالة انتقالية تفتح باب مصالحة. ثالثاً، تحقيق الأمن في ظل داخلية تلتزم باحترام الشعب ومعايير حقوق الانسان وسيادة القانون. رابعاً، توافق على الدستور وبالذات على المواد الخلافية فيه.

 

س: الرئيس مرسي توعد بفرض اجراءات استثنائية لفرض الاستقرار. ما الذي تتوقعوه بعد قطع الطريق على الحوار الوطني؟

- لن يتمكن الدكتور مرسي من أي اجراءات استثنائية إلا على المستوى الشكلي. نموذج بور سعيد، نموذج بالغ الدلالة. هو فرض حظر تجوّل، فخرج شعب بالغ الاعتداد بكرامته، وبالغ التحدي لإدارة مرسي، لكي يتظاهر ويغني ويحرق اللمبي الجديد -التمثال المعبر عن مرسي- في تقليد بورسعيدي. واقاموا مباراة كرة قدم خلال حظر التجوّل. أي ان مرسي فشل في فرض اجراءات استثنائية.

 

س: هل لازلت مؤمناً بما يسمى "الربيع العربي" بعد التخريب الذي يحدث في سورية والصراع القبلي في ليبيا وأعمال العنف في مصر؟

- بالتأكيد أنا مؤمن تماماً بهذا الربيع العربي. وأدرك أن هناك انحرافا به ناحية "خريف". القوى التي تلعب لتشويه أو اجهاض هذا الربيع هي قوى ضد تغيير حقيقي ديمقراطي عادل. وهي قوى محلية، وهي أيضاً قوى اقليمية ودولية لاتريد لهذا الربيع أن يزهر. لأنه يمكن أن يطال حكام طغاة في الوطن العربي ومصالح دولية ذات طابع احتكاري واستعماري ناشبة في هذا الوطن.

 

س: مصر تحتاج إلى من؟ محمد علي أم جمال عبدالناصر؟ وكلاهما صاحب مشروع للنهضة الحقيقية.

- مصر تحتاج أن تتعلم من تجربتي النهضة. محمد علي وجمال عبد الناصر. الفرق الجوهري أن محمد علي أدار تجربته للنهضة على حساب المصريين، وإن كان لصالحهم. أما جمال عبد الناصر أدار تجربته بالانتصار لفقراء المصريين والطبقة الوسطى، ولكنه لم يتم ديمقراطية سياسية. ما تحتاجه مصر اليوم هو مزيج من نهضة أدارها محمد علي وعبد الناصر، وحقوق اقتصادية واجتماعية حققها جمال عبد الناصر. لأنه كان الحاكم الوحيد الذي انتصر للفقراء. لكن لابد أن يضاف على هذا بالتأكيد ديمقراطية سياسية مكتملة، لم ينجزها محمد علي ولا جمال عبد الناصر. نحن محتاجون لنموذج يستفيد من هاتين التجربتين العظيمتين، ولكنه يطور عليها. نحن محتاجون تحديداً ما طلبه الشعب في 25 يناير.

 

س: هل تخشى أخونة الجيش؟ أم أنه سيظل عصيّاً على الحزبية؟

- الجيش المصري قلعة وطنية حقيقية. هذا هو الجيش الذي أخرج لنا زعماء في قامة أحمد عرابي وجمال عبد الناصر. وهو جيش الحرب العظيمة الدائمة من أجل استقلال وطني، وأهمها حرب 73 وحرب الاستنزاف من قبلها. هذا الجيش عصيّ على الاخونة.

 

س: ولماذا يقول البعض أن المواطن البسيط قد كفر بالنظام وجبهة الانقاذ؟

- المواطن المصري البسيط لا يكفر لا بالله ولا بالوطن ولا بأحلامه. فهي نابعة من الصميم. ولكنه يكفر بالإدارة المترهلة، العاجزة، الفاشلة، التي تجعل الاسعار ترتفع على المواطن، وتجعل المواطن يقف في طابور السولار، ولا يجد مياه الري، ويرى الجنيه في هبوط، وحياته الاقتصادية مأزومة والأمن مفتقد. وهنا تضيق أبواب الأمل وتتسع أبواب اليأس.